2009 - العدد الخامس
إضاءة

|

© اليونسكو/ دومينيك روجير
الحاجز المرجاني العظيم ، قبالة الساحل الشمالي الشرقي في استراليا. أكبر تجمع مرجاني في العالم مهدد بالانقراض.
|
أعظم قيمة وأهمية من "السمك والسُفُن" بكثير
المحيطات تتألم. وهي المصدر الرئيسي لقوت مليارين من البشر، والعنصر الرئيسي لضبط المناخ، واحتياطيٌّ لموارد حيوية غيرُ مستغَل تقريبا، فتستحق أن يجري التعامل معها بشكل أفضل. هذا هو ما جعل الأمم المتحدة تحتفل لأول مرة في 8 حزيران/يونيو باليوم العالم للمحيطات.
حين تُذكَر المحيطات في العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام، تتعلق الأخبار عادة بتهديد للتنوع البيولوجي أو بأزمة في صناعة صيد الأسماك أو بحادث اندلاق بترول. وهذه مسائل هامة، لكنها جزء فقط من قصة أكبر بكثير لا بد من سردها.
كلما تحسّن فهمنا للنظام المناخي ازداد إدراكنا للدور المعقَّد ولكن الأساسي الذي يؤديه المحيط في ضبط هذا النظام. فالمحيط، بفضل قدرته على تخزين الحرارة، ليس محرك الطقس فقط، بل هو أيضا ذاكرة المناخ. فالحياة إنما انطلقت على وجه الأرض من أطراف المحيط ألبدئي، وظلت تتطور في هذا الوسط المائي على مدى ملايين السنين. إن المحيط هو المشاع العالمي الأخير الذي يؤدي الخدمات الإيكولوجية الأساسية التي تجعل الحياة ممكنة على سطح كوكبنا. وللبشرية دواعٍ قوية لاحترام المحيط، مثلما كانت تفعل الحضارات القديمة بصورة غريزية.
لكن سلوكنا اليومي مقصِّر جدا عن هذا المثال الأعلى البعيد عن الكَدَر. إذ إن الكثير من الثغرات يشوب الإدارة في هذا الفضاء الدولي الفريد، كما تبيّنه أزمة القرصنة الراهنة – وعلى الرغم من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) المُبرَمة في عام 1982. فهذه الاتفاقية توفِّر إطارا قانونيا متكاملا جدير بأن يكون أساسا تُبنى عليه أنظمة سليمة وفعالة لمختلف استعمالات المحيط، وقد بنتها الوكالات والبرامج المتخصصة للأمم المتحدة على مدى 30 عاما. إلا أنه توجد تقييدات حادة لمراقبة السلوك وإنفاذ هذه الأنظمة. فالمؤسسات الوطنية والدولية ضعيفة أصلا. وهي في المعتاد محصورة التحرك، بحكم تقسيم الواجبات والمسؤوليات حسب القطاعات، وقلما يُترك مجال لصنع القرارات على نحو متكامل، تُعالجَ فيه المسائل المجتازة لعدة مجالات.
وهكذا يبقى ماثلا، على الرغم مما أُحرز من تقدم، الكثير من التحديات الكبرى التي يتعيّن مجابهتها. ومن هذه التحديات وضع نظام يَحكم مصايد أعالي البحار، أي الواقعة خارج نطاق المياه الوطنية. وهناك قلق متزايد على عدم استدامة كثير من ممارسات صيد الأسماك، وعلى أن المصايد العالمية تواجه أزمة كبرى.
التحديات الكبرى
|

© اليونسكو
عالم أحياء يمسك إربيان
|
تشكل الاستعمالات غير المستدامة خطرا على كثير من الموائل المتميِّزة، وعلى الخصوص في البيئة الساحلية، بما فيها المانغروف والمصبّات الخليجية، والشعاب المرجانية، والجبال المغمورة تحت الماء، وكلها مواطن سخية للتنوع البيولوجي البحري. ثم إن الاتّجار غير المشروع بالبشر والأسلحة والمخدِّرات عبر أعالي البحار أصبح على تزايد.
يمتص المحيط كل سنة ملايين الأطنان من ثاني أُكسيد الكربون (CO2) – أي ثلث مجموع الابتعاثات السنوية من هذا الغاز – وقد وقانا بفضل ذلك من تغيّر مناخي كارثي. لكن المحيط إذ يؤدي هذه الوظيفة، يختل توازنه الذاتي: فحموضته آخذة في التزايد، واستوعب القسط الأكبر من الحرارة الإضافية المتولِّدة عن تغير المناخ، ما قد يُخِلّ في وقت ما بالأنماط الطبيعية لسريان المحيط التي لها دور أساسي في حجب ثاني أكسيد الكربون عن التماس مع الغلاف الجوي.
ونزعات التطور هذه المقلقة هي التي حدت بمؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عُقد في عام 2002 إلى اتخاذ قرار بإبقاء المحيطات تحت مراقبة مستمرة، عن طريق تقييمات عالمية متكاملة لحالة البحار. إنها أشمل مبادرة تقوم بها منظومة الأمم المتحدة حتى اليوم في سبيل تحسين إدارة المحيط. وفي عام 2005، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 60/30 من لجنة اليونسكو الدولية الحكومية لعلوم المحيطات ومن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الاضطلاع بدور الريادة في إطلاق هذه العملية. ثم أُعِدّ التقرير عن عمل ثلاث سنوات، ووزِّع على الدول أعضاء الأمم المتحدة وعلى عامة الجمهور. وفي وقت لاحق من هذا العام، ستجري في مبنى المقر الرمز للأمم المتحدة بمدينة نيويورك دراسة هذا التقرير، على يد الفريق العامل الجامع الذي يتألف من جميع أعضاء الأمم المتحدة، وسيصدر عن هذه الدراسة اقتراح بمسار عمل، إلى الجمعية العامة في دورتها الرابعة والستين. وسيفتح إقرار الاقتراح السبيل أمام أول تقييم متكامل عالمي لحالة المحيط، ستضطلع به منظومة الأمم المتحدة حتى عامي 2014-2015، حين تُجري لجنة التنمية المستدامة استعراضا لمسائل المحيطات والمناطق الساحلية. ولن يكون الفشل في ذلك خيارا مقبولا، بالنظر إلى عِظم الرهانات المطروحة.
باتريسيو برنال