2008 - العدد الأول
عودة بابل

|
 © اليونسكو/ فيونا رايان
|
تتبادر إلى ذهني، عند التفكير بالفصل العنيف والمباغت لشخص ما عن محيطه اللغوي والثقافي، صورة شجرة اقتطِعت ذات يوم ليجري غرسها في تربة أخرى. فوجدت الشجرة نفسها مقلوعة فجأة، بعدما تركت جذورها تسري في أرضها الأليفة لتنتصب هي بثبات وحزم. وبذلت ما في وسعها لمدّ جذورها من جديد في تربة أخرى والبقاء صامدةً.
صورة هذه الشجرة المزروعة في أرضها ومن ثم في أرض أخرى تلهب قلبي. وأفكر بضيق الشجرة وشعورها بالوحدة. وأعرف تماماً أن الذين وجدوا أنفسهم مضطرين، في مرحلة ما من حياتهم، للرحيل عن بيئتهم اللغوية والثقافية للاستقرار في محيط لغوي وثقافي مختلف، يدركون جيداً هذا الإحساس بالضيق والشدة والوحدة. كما أنهم يتخيلون تماماً غضب الإله القديم. فهم يعيشون حكاية بابل وبرجها. حكاية هؤلاء البشر الذين أرادوا يوماً أن يصبحوا آلهة، فكرّسوا حياتهم لبناء برج. وبدأ البرج يتخذ شكلاً ويزداد ارتفاعاً يوماً بعد آخر. كان يقترب من السماء، ومعه بدأ البشر يتحولون إلى آلهة... فغضب الإله ونزع عنهم وحدة اللغة. فلم يعد أحد يفهم لغة الآخر. ولم يُستكمل البرج وتبددت معه رغبة التحول إلى آلهة. أصبحت كل لغة حائطاً ووجد البشر أنفسهم وحيدين وعاجزين. ووراء الحائط، صاروا في عزلة وتلاشى الشوق إلى أن يصبحوا آلهة.
لعل صرخة الوحدة وغياب المُحاور يقفان وراء ولادة الشعر والأدب... وقد أصبحت كل لغة كنزاً ينطوي على غنى لا يعرف حدوداً ولا نهاية.
وإذا جرّد الإله البشر من اللغة الواحدة، فإن البشر، في المقابل، أنتجوا تنوع الترجمة. ففتحت كل ترجمة باباً في حائط، وكان الباب يفضي إلى لغة أخرى، وثقافة أخرى، وكينونة أخرى، وثراء آخر... لكي يستطيع كل قارئ للغة أخرى عبور هذه الأبواب، ونسيان بابل، والغضب الإلهي، ولكي تصبح اللغة الأخرى لغته أيضاً، والثقافة الأخرى ثقافته، والكينونة الأخرى كينونته، والثراء الآخر ثراءه.
سبوجماي زرياب، روائية أفغانية