ISSN 1993-8616

2008 - العدد الأول


هيوبرت ريفز: التنوع البيولوجي ضمان لبقائنا





© اليونسكو/ ميشال رافيسار
هيوبرت ريفز

تهدف السنة الدولية لكوكب الأرض 2008، إلى جعل علوم الأرض في خدمة الإنسان، وربط هذه العلوم (الجيولوجيا والجيوفيزيائية وعلم الإحاثة (البليونتولوجيا) والأرصاد الجوية) بسيرورة التنمية المستدامة ربطاً متيناً. فقد اتفقت اليونسكو التي تطلق أعمال السنة الدولية خلال الشهر الجاري، والاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية على التركيز على سيرورة التنمية المستدامة . حيث هناك استدامة للحياة هناك استدامة للعلوم...
انطلاقا لهذه السنة الدولية التي ستخصص "رسالة اليونسكو" أحد أعدادها، تقدم في عددها هذا مقابلة مع عالم الفيزياء الفلكية هيوبرت ريفز.



حاورته ياسمينة شوبوفا

لماذا انتقلتم من الحديث عن ضخامة الكون إلى الحديث عن هشاشة الأرض؟

يُظهر لنا علم الفلك المسيرة التي أدت إلى تواجدنا على كوكب الأرض، في حين أن علم البيئة يدلنا إلى السبل الكفيلة بتأمين بقائنا على هذا الكوكب. لقد بتنا ندرك روائع النجوم والمجرّات التي ترتبط بماضينا وبتواجدنا هنا (الذرات التي تتشكل في النجوم، إلخ) ونكتشف اليوم أن بقاءنا على الأرض مهدد. فكيف لا يعترينا القلق؟

كثيراً ما يقول الناس لي: "في الماضي، كنت تكلمنا عن المجرّات، وتدفعنا إلى الحلم. أما اليوم، فإنك تحكي لنا أشياء قاسية". وأجيب على الدوام بأن على المرء أن يكون واقعياً. ولا يمكن أن نمضي وقتنا في الأحلام وأن نأبى مجابهة الخطر. علينا أن نملك معرفة جيدة بوضع كوكبنا لنتصرف بالشكل الأنسب.

لقد أتيت تدريجياً إلى عالم البيئة. وبدأت بطرح المشاكل البيئية خلال المحاضرات التي كنت ألقيها في الثمانينيات. وأصبحت هذه المسائل أكثر فأكثر إلحاحاً على مر الزمن، وهي تثير الآن قضايا حاسمة. لكنني ما زلت أقدم محاضرات حول علم الفلك أيضاً.

كما أحاول أن أتحدث بشكل مفيد ونافع، فلا أجهد في إقناع المقتنعين، وإنما أتوجه إلى المجموعات الأقل اهتماماً بمشاكل البيئة. وكرست محاضرات للوسطاء العقاريين، وكتّاب العدل، وسائقي الشاحنات... وكانوا يُصابون بالذهول عندما نشرح لهم تفاصيل ما يحصل.


هل تشعرون بالقلق؟

كنت أكثر قلقاً منذ بضعة أعوام. لكن التعاطي مع المسألة البيئية شهد تغيراً كبيراً في جميع مناطق العالم، وهذا ما يشجعني اليوم. غالباً ما يسألني الناس ما إذا كنت متفائلاً أو متشائماً. وأجيب بجملة قالها أحد مؤسسي الكيان الأوروبي، جان مونيه، قبل خمسين عاماً، في مرحلة لم يكن أحد يؤمن فعلاً بأوروبا: "الأهم ليس أن تكون متفائلاً أو متشائماً، وإنما أن تتحلى بالتصميم".

وعلينا الاعتراف بأن الوعي تزايد كثيراً حيال المشاكل البيئية في العامين الأخيرين، وذلك بفضل أشخاص من أمثال الأميركي آل غور [حائز على جائزة نوبل للسلام، 2007]، والأخصائي الفرنسي في شؤون البيئة، نيكولا هولو، الذي كان ميثاقه البيئي [2006] وراء إرغام السياسيين على اعتماد موقف بهذا الصدد، والأخصائي البريطاني في الشؤون الاقتصادية، نيكولاس ستيرن، الذي قيّم كلفة الاحترار العالمي بآلاف مليارات الدولارات [تقرير ستيرن عن الانعكاسات الاقتصادية للتغير المناخي، 2006].



© Stock.xchng/تيري هينسل
اختفاء النحل السريع يؤدي إلى نقص في تلقيح الأشجار.

في عام 2001، أصبحتم رئيساً لتجمع المعارضين للصيد.

أنشأ تيودور مونو تجمع المعارضين للصيد في عام 1976، في فترة لم تكن أنشطة الصيد في فرنسا تخضع لأي رقابة. وكان رئيساً للتجمع. وطُلب إليّ، بعد وفاته في عام 2001، أن أحلّ مكانه. ومنذ ذلك الحين، تغيرت المشاكل والمهام، تماماً كاسم التجمع الذي أصبح يُدعى "رابطة حفظ الحيوانات البرية".

وما يشغل بالنا فعلاً اليوم هو زوال عدد من البيئات الطبيعية، وإسهام مبيدات الآفات في ما يُدعى بظاهرة "تدهور التنوع البيولوجي". فالسرعة التي نبيد بها الأنواع الحيوانية والنباتية تشكل أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق. إذ أن الأنواع المتواجدة في الطبيعة ليست مستقلة، ويؤدي اختفاء كل نوع منها إلى اختفاء أنواع كثيرة أخرى، مما يضعف النظام الإيكولوجي عموماً.

ويوفر النحل مثالاً جلياً على ذلك، إذ أن اختفاءه السريع يؤدي إلى نقص في تلقيح الأشجار. وفي غياب التلقيح، تتناقص الثمار، علماً أنها تسهم على نحو أساسي في بقاء الجنس البشري.

فما أن يختفي عنصر في نظام الحياة الذي تكوّن على مرّ ملايين السنين - وتعزى متانة هذا النظام تحديداً إلى الترابط القائم بين الأنواع المتواجدة فيه - حتى يعاني من الفقر والضعف برمته. ومن هنا ضرورة التشديد على التنوع البيولوجي بوصفه ضمانة لبقائنا.


هل ترون أن أصحاب القرار السياسي يستجيبون بسرعة؟

توفر "لقاءات غرينيل للبيئة"، التي عُقدت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي في فرنسا خير مثال على ذلك. وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد وعد بتنظيمها، ووفى بوعده. ولا يحدث كل يوم أن يفي السياسيون بالوعود التي قطعوها قبل الانتخابات.

وتكمن فرادة لقاءات غرينيل الفرنسية في أنها جمعت شركاء يتمتعون بآراء متعارضة، أي أنها ضمت مثلاً مزارعين يدافعون عن زراعة قائمة على الإنتاجية والاستخدام المفرط لمبيدات الآفات من جهة، والمجموعات المدافعة عن البيئة من جهة ثانية. وتمثل هذه اللقاءات إذن تقدماً حقيقياً. ولدي أسباب تدعوني للاعتقاد بأن الأفعال سوف تلي الأقوال. لأن الناس، في الواقع، ليسوا بلهاء. حتى أن الذين لم يأبهوا في الماضي لاختفاء الفراشات والأزهار البرية بدأوا يعون أن عدم مشاركتهم الآن في الأنشطة الإيجابية سيكلفهم ثمناً باهظاً في المستقبل.



© ينز تريبتو /فليك أر
يثبت هذا المشهد في الصين أنه من الضروري توعية جميع هيئات مجالات العمل المختلفة، حتى سائقين الشاحنات. كما يوصي به هيوبرت ريفز.

ماذا عن البلدان الأخرى؟

الولايات المتحدة تنشط كثيراً. صحيح أن جورج بوش جمَّد كل شيء. لكن ولايات مثل كاليفورنيا ونيو إنجلاند أصبحت "خضراء" للغاية. وفي أوروبا، تتميز بلدان الشمال، عادة، بنشاط أكبر بكثير من سائر بلدان القارة. وفرنسا بدأت تستيقظ، فيما إسبانيا بدأت تتحرك. واللافت هو أن الصين بدأت تستجيب هي الأخرى، وهذا أمر هام جداً. وفي المقابل، فإن الوضع في الهند سيئ، لكني أعتقد أن الأمور ستتغير لأن الناس، مرة أخرى، يعون جيداً ما يحدث.

هل نتوهم لو طمحنا إلى قيام اليونسكو، مثلاً، بتنظيم مؤتمر شبيه بلقاءات غرينيل على النطاق الدولي؟

إنها لفكرة رائعة أن تستمع الحكومات لمختلف عناصر المجتمعات المدنية وأن تتيح لها مجالاً للمشاركة في تطور العالم، ولمَ لا، تحت رعاية اليونسكو.

ختاماً لهذا الحوار، سؤال عن موضوع قد يبدو طوباوياً: هل تعتقدون بوجود كوكب قادر على استضافة البشرية في حال قيامنا بتدمير كوكبنا؟

لا أدري. هناك أشخاص يعتقدون أنه لو ساءت الأمور جداً على الأرض، يمكن لنا الذهاب إلى كوكب آخر. وبالنسبة لي، هذا الحل غير مناسب، لأننا إذا فشلنا في صون كوكبنا، فهذا يعني أننا سننتقل بمشاكلنا، هي هي، إلى كوكب آخر.