2008 - العدد الأول
مؤشرات
"الأمير الطبيب"

|
 © اليونسكو
الأمير "ونغسا دهيراج سنيد"
|
وُلد الأمير"ونغسا دهيراج سنيد" ، ابن ملك تايلاند راما الثاني (1809-1824)، قبل مائتي عام. واعترافاً بالدور الذي اضطلع به دوماً لصالح السلام والصحة والثقافة، تشترك اليونسكو في الاحتفالات المنظمة بمناسبة هذه الذكرى. وهو المواطن التايلاندي السابع عشر الذي يتلقى هذا التكريم.
لا شك أن إسهام الأمير "فرا شاو باروماوونغزي تير كروم لوانغ ونغسا دهيراج سنيد" (1808-1871) في ميادين السياسة والعلم والثقافة كان خيِّراً وحسن الطالع بالنسبة لتايلاند. وقد عُرف الأمير بشغفه للتعلم لدى المبشِّرين الأجانب، ووضع معارفهم في خدمة مواطنيه دون أحكام مسبقة. ولطالما حيا الآخرون فيه دفاعه عن الجوانب العصرية ضمن العائلة الملكية.
كرّس الأمير "ونغسا دهيراج سنيد" الجزء الأكبر من حياته للتفاوض من أجل السلام والازدهار في تايلاند. وقد جعل منه إتقانه للغة الإنكليزية، فضلاً عن موهبته الدبلوماسية اللامعة، الأمير الأكثر شهرة في مجال العلاقات الدولية التايلاندية في عهد شقيقه الملك راما الرابع (1851-1868).
وفي القرن التاسع عشر، كانت الإندفاعة الاستعمارية وراء حث البلدان الأوروبية على تملّك الأراضي في جنوب شرق آسيا. ولم تشذ تايلاند – التي كانت تدعى "بلاد سيام" آنذاك – عن القاعدة. فكلّف راما الرابع الأمير "ونغسا دهيراج سنيد" برئاسة فريق المتفاوضين عن جانب بلاد سيام بهدف إبرام عدة اتفاقات مع البلدان الغربية، بما فيها بريطانيا، وفرنسا، وبروسيا، والدنمارك، والولايات المتحدة. وكانت الاتفاقات الموقعة تحت إدارته ترمي إلى توثيق العلاقات السياسية والقانونية والتبادل الحر بين بلاد سيام وسائر البلدان. كان دبلوماسياً حاذقاً، ونجح في إبرام عدد من الاتفاقات، وفي إقامة توازن بين مختلف القوى الغربية المتواجدة في بلاد سيام. وبذلك، لم يقتصر إسهامه على حفظ السلام، وإنما أدى أيضاً إلى انفتاح بلاده على العالم بهدف مواكبة إيقاعه العصري.
دبلوماسي وعالم وشاعر
كان الأمير من كبار مؤيدي تنمية العلوم، وأول طبيب تايلاندي طبَّق بنجاح العلاج بمادة الكينين على المرضى التايلانديين، وكانت تستخدم حينئذٍ لمعالجة وباء الملاريا في الغرب. كما كانت والدته، "شاو شوم مارندا برانغ"، تتحدّر من عائلة "بانغشانغ" الملكية، وتمتلك معرفة قيّمة في مجال الطب التقليدي. أما الأمير، فلقد تلقى إعداداً في مجال الطب الغربي على يد المبشِّرين الذين قدموا إلى تايلاند في بداية حكم سلالة شاكري (1782-1851). وفي عهد الملك راما الثالث (1824-1851)، الذي كان شقيقاً آخر للأمير، عيِّن الأمير "ونغسا دهيراج سنيد" على رأس وزارة الطب الملكي، "كروم مور لوانغ"، وكان طبيباً شخصياً للملك راما الرابع، فلقّبه الأجانب المقيمون في تايلاند بـ"الأمير الطبيب".
وبالإضافة إلى دستور الأدوية الغربي، كان الأمير يبدي اهتماماً خاصاً بوسائل العلاج التايلاندية التقليدية. وقد درس خصائص 166 نبتة طبية، مدوِّناً إياها في كتاب أصبح يشكل اليوم أول كتيِّب لمعالجة الأمراض بالنباتات التايلاندية. وهو محفوظ في مكتبة قصر تابرا، بجامعة سيلباكورن (بانكوك)، وصدر بطبعات جديدة عدة (1922، 1984، 1991، 2003). كما أن الكفاءات الطبية التي كان يتمتع بها الأمير قوبلت باعتراف عدد كبير من المعاهد الأوروبية التي دعته ليصبح أحد أعضائها النشطين. وهو أول طبيب تايلاندي تلقى شهادة أكاديمية الطب في نيويورك.
اشتهر هذا الأمير أيضاً كعالم لغوي وشاعر من الطراز الأول. وقد تحوّل اقتباسه لقواعد اللغة التايلاندية "جيندا ماني"، التي ترقى إلى حقبة "أيوتهايا"، إلى أول كتيِّب في البرنامج المدرسي الوطني في عهد الملك راما الخامس. وعمد الأمير كذلك إلى مراجعة سجلات الـ"أيوتهايا" (النسخ الملكية المخطوطة - صدرت بطبعة جديدة في عام 2005) التي تعتبَر الكتاب المرجعي للتاريخ التايلاندي. كما نظم قصائد، يُذكر منها "بلينغ ياو سامشيه" و "نيرات فرا باتوم باتون" اللتان صدرتا في عام 1921 و1922 على التوالي. ويُحتفظ بنتاجه الأدبي في مكتبة "شولالونغكورن" الجامعية ببانكوك.
بقلم واتشارا سينغسريسين، صحافي في يومية "الشعب" The Nation (تايلاند).