ISSN 1993-8616

2008 - العدد الأول


الهند: برج بابل





© فليك أر/ أورسو فيليبي
جميع اللغات تنفع للدعايات!

تواجه الهند تحدياً كبيراً في سعيها إلى ضمان التماسك الوطني دون المجازفة بمصالح اللغات الإقليمية ومستقبلها، في ظل انتشار 650 1 لغة وأكثر من مليون مؤسسة تعليمية للمراحل المدرسية مجتمعةً. وفي محاولتها لمعالجة هذه المعضلة، ابتكرت الهند "صيغة اللغات الثلاث"... لكن تنفيذها ليس أمرا سهلا.



والهند "برج بابل" أيضا. وهو قائم على شكل هرم، وفي قمته اللغتان الهندية والإنكليزية، حتى وإن كانتا تنتميان إلى اللغات الأجنبية بالنسبة لثلثي السكان. وتليهما اللغات الرسمية المتداولة في الولايات والأراضي (اللغات الإقليمية)، ومن ثم لغات الأقليات التي يتقنها أكثر من مليون شخص، دون أن تتمتع بأي وظيفة إدارية. كما توجد مئات اللغات الأخرى في أسفل هذا الصرح اللغوي الضخم، وتخضع لإدارة مفوَّض لشؤون لغات الأقليات، لكن توكيله يكتسي طابعاً استشارياً وليس ملزماً.

وفي الهند ما مجموعه 650 1 لغة، يُستخدم 400 منها كلغات اتصال وعمل. ويجيد 75% من الهنود 22 من هذه اللغات الأربعمائة، وهي واردة في الدستور الهندي. كما يضمن الدستور حماية اللغات الأخرى غير المدرجة فيه، لكن 60 منها فقط مستخدمة في التعليم، وتصنَّف 11 لغة من ضمنها كلغات أقليات أو لغات قبلية.

والغريب في الأمر أن اللغة الهندية التي تشكل، إلى جانب الإنكليزية، لغة رسمية للاتحاد الهندي، منتشرة فقط لدى 40% من السكان، وهي إذن لغة أقلية. وتتسم مسألة الأقليات بجانب بالغ التعقيد لأن اللغة عنصر مرتبط على نحو وثيق بالهوية الإتنية/البشرية والدينية. وعلى سبيل المثال، يجيد المسلمون اللغة الأردية، والسيخ البنجابية، والأنكلوهنود الإنكليزية. كما أن أكثر من 600 أقلية قبلية في الجبال تتداول لغات لا يجري تعليمها في المدرسة في حين أنه معترف بها في الدستور.



© فليك آر./ أوبا ديفيش
محو أمية الجماعات: المدرسة الابتدائية في منطقة غرب راجستان.

صيغة اللغات الثلاث

تعدّ شبه القارة الهندية ما يفوق المليار نسمة. ولا يتجاوز عمر 35% من سكانها 15 عاماً. وتقع على عاتق الحكومة الهندية مهمة إدارة نظام تعليمي يرقى إلى حوالي 150 عاماً ويشمل اليوم: 041 664 مدرسة للتعليم الابتدائي، و626 219 مدرسة للمرحلة العليا من التعليم الابتدائي، و492 133 مدرسة للتعليم الثانوي، و297 جامعة، و737 8 كلية جامعية للتعليم العام، و409 2 معهد مهني.

ومنذ استقلالها في عام 1947، تقود الهند سياسة تعليمية تهدف إلى محو الأمية على نطاق واسع والتنمية الاقتصادية، وهما العاملان الأساسيان لتوحيد شعب منقسم إلى عدد كبير من الديانات واللغات والطبقات الاجتماعية والثقافات.

وفي عام 1952، اقترحت اللجنة المعنية بالتعليم الثانوي، التابعة للحكومة الهندية، أسس سياسة تعليمية متعددة اللغات تشمل اللغة الأم، واللغة الإقليمية (أو لغة الولاية)، والهندية كلغة عامة للاتصال والعمل، وإحدى اللغات التقليدية القديمة (السنسكريتية، البالي، العربية، الفارسية).

وفي عام 1961، أعيد النظر بهذا الاقتراح الذي بات يُدعى "صيغة اللغات الثلاث"، وبات يشمل اللغة الإقليمية، واللغة الهندية في المناطق غير الناطقة بالهندية أو لغة هندية أخرى في المناطق الناطقة بالهندية، والإنكليزية أو لغة أوروبية أخرى.

وأخيراً، بين عامي 1964 و1966، اقترحت اللجنة المعنية بالتعليم صيغة معدَّلة لسياسة اللغات الثلاث، وتشمل: اللغة الأم أو اللغة الإقليمية، ولغة رسمية (الهندية أو الإنكليزية)، ولغة حديثة أخرى، سواء كانت هندية أو أجنبية.

ويتوفر التعليم طوال المرحلة الابتدائية والثانوية (أي على مدى 12 عاماً) باللغة الأم أو الإقليمية من السنة المدرسية الأولى حتى الخامسة، ويتم إدراج صيغة اللغات الثلاث ابتداءً من السنة السادسة.




© اليونسكو/ ماني نغونكيو
الكاهن البوذي شانداراتانا، سانكاسا، الهند

لا صيغة سحرية...

صحيح أن صيغة اللغات الثلاث معترف بها بوصفها قاعدة وطنية، لكنها لا تطبَّق بحذافيرها في جميع الولايات. وهي، على الأصح، لا تشكل واقعاً اجتماعياً بقدر ما تقترب من المشروع النظري. ورغم أن الأولوية تولى للتعليم باللغة الأم، في بداية التعليم النظامي على الأقل، إن لم يكن في مجمل مراحله، فهي لا تكتسي طابعاً إلزامياً. وقد اختارت ولايات معينة، مثل تاميل نادو مثلاً، لغتين بدلاً من ثلاث، فيما بعض الولايات الأخرى تستعيض عن تعليم لغة حديثة بلغة قديمة كالسنسكريتية أو العربية. وفي مدارس معينة، يجري تعليم الفرنسية أو الألمانية بدلاً من الهندية.

فهل هذا يعني فشل سياسة الدولة؟ أو بالأحرى فشل سياسة لغوية ديناميكية ومرنة في مجال التعليم توفق بين التقليد والحداثة من جهة، وبين المسؤوليات المؤسسية والمدنية من جهة أخرى؟

إذ يجب أن ندرك جيداً أن اللغات القبلية/لغات الأقليات ترتبط بشكل وثيق بالهوية الثقافية والدينية والعرقية، لكنها، في الوقت ذاته، "غير نافعة" في الحياة العصرية. وتنقسم الأقليات إلى اتجاهين: فالبعض يطالب بحقوقه ويعمل على الحصول على مكانة رسمية للغته، فيما البعض الآخر يفضل الاندماج ضمن الأغلبية.

وسعياً لحماية لغات الأقليات وصون التراث القديم التي تحمله هذه اللغات منذ آلاف السنين، طرحت فكرة تحويل صيغة اللغات الثلاث إلى لغات أربع. لكن لم يُتخذ قرار حتى الآن بهذا الخصوص.

ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لضمان التعليم بلغات الأقليات ما أن يبلغ عدد التلامذة في الصف 10 أشخاص، شرط أن تكون لغة الأقلية اللغة الأم لهؤلاء التلامذة، فإن الأهل في غالبيتهم يفضلون أن يتعلم أطفالهم الإنكليزية أو أن يتلقوا تعليمهم بالإنكليزية، على اعتبار أن اللغات "غير الدستورية" غير قابلة "للبيع في السوق"، وغالباً ما يولى الارتقاء الاجتماعي أهمية أكبر بكثير من الهوية الاجتماعية والثقافية.

بقلم أبازامي موروغايان، عالم باللغة وأستاذ في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، باريس.