العدد الثاني-2007
الأرجنتين: سراب المساواة

|
 © سول لوفيناس
سيلفيا كوشين
|
تفيد الإحصاءات الرسمية في الأرجنتين بأن مجال البحث يعدّ نسبة 50% من النساء. لكن هذه الأرقام تخفي واقعاً أكثر تبايناً بكثير...
على غرار البرازيل وفنزويلا، تعتبر الأرجنتين من البلدان التي حققت المساواة بين الجنسين في ميدان البحث العلمي في أميركا اللاتينية. هذا ما تشير إليه دراسة صدرت في أيار/مايو 2006 عن معهد اليونسكو للإحصاء تحت عنوان "النساء في ميدان العلم: تمثيل ضعيف وإحصائيات لا تعكس الواقع". كما أن الإحصاءات في هذا البلد تؤكد بأنه تم تجاوز مسألة المساواة بين الجنسين، إذ أن 51% من العلماء (البالغ عددهم 300 35) هم من النساء. لكن هذه الأرقام البرّاقة لا تكشف الحقيقة بتفاصيلها.
"إنها إحصاءات مثيرة للاهتمام لكنها غير كافية لإعطاء صورة دقيقة عن الواقع. فمن الملاحظ مثلاً أنه كلما تقدمنا في مراحل المسيرة المهنية، كلما كانت نسب النساء متدنية، لا سيما في الوظائف الهامة. كما أن الاعتراف بالكفاءة لا يتم على قاعدة المساواة، بالأخص متى تعلق الأمر بتخصيص المساعدات في مجال البحث. لذا، فإن النساء أقل استقلالية في عملهن من الرجال مما يعكس شكلاً من عدم المساواة" تقول سيلفيا كوشن، الحائزة على درجة الدكتوراه في الطب، والأخصائية في علم الأعصاب. تعمل كوشن كباحثة في المجلس الوطني الأرجنتيني للبحث العلمي والتقني وهي المرأة الوحيدة التي تحاضر كأستاذة مساعدة في كلية الطب التابعة لجامعة بوينوس آيرس. وتضيف: "رغم أن النساء يشكلن غالبية الملتحقين بالكلية لمتابعة التحصيل العلمي، إلا أنهن غائبات تماماً عن المجلس الإداري والكل يجد الأمر عادياً. وكذلك الأمر في المجلس الوطني للبحث العلمي والتقني، حيث تحتل امرأة واحدة وظيفة إدارية في جامعة بوينوس آيرس. وفي الواقع أن على النساء اجتياز الحواجز التي يفرضها عليهن مجتمع لا يرى بعين الرضا تقدمهن المهني".
تنتمي سيلفيا كوشن إلى "الشبكة الأرجنتينية للعلم والتكنولوجيا ومسائل المساواة بين الجنسين" وقد اختبرت بنفسها المواقف السائدة اجتماعياً خلال مقابلة مهنية سعياً للحصول على وظيفة. توضح قائلة: "سئلت ما إذا كان لدي أطفال، وما إن كنت متزوجة. اعتمدت أسلوبي الخاص في التقصي عن تلك الاستفسارات بعد المقابلة، فاكتشفت أن تلك الأسئلة لم تطرَح على أي رجل كان يسعى إلى الوظيفة ذاتها".
”

|
 © فليك ر
طالبات في مختبر كيمياء
|
كثير من النساء العالمات، قليل في المراتب الأولى
في الأرجنتين، تبلغ نسبة النساء الملتحقات بالجامعات 59% من إجمالي الطلاب. وهن يمثلن غالبية الطلاب الحائزين على شهادات جامعية (66%) ويحرزن أفضل النتائج. لكن حضورهن ينحسر كلما تقدمنا في مراحل المسيرة العلمية. فخلال الأعوام القليلة الماضية، ورغم تزايد عدد النساء اللواتي تيسرت لهن منح جامعية (أكثر من 50%)، إلا أن 10% منهن فقط حصلن على المنح الأكثر عراقة. كما أن معاهد البحث تخضع في معظم الأحيان لإدارة الرجال فيما عدا المجالات الأدبية.
جرى استقاء هذه البيانات من تقرير أعدته ماريا إيلينا إستيبانيز تحت عنوان "مشاركة المرأة في ميدان العلم والتكنولوجيا في الأرجنتين" عام 2003، وما زال حتى اليوم يعكس الواقع القائم. وفي تحقيقها، شدد 290 باحثاً وباحثة على سيطرة النماذج الذكورية على الذهنيات، معترفين بأنهم خضعوا لتأثير هذا النموذج لدى اختيارهم مدير أطروحتهم.
من ناحية أخرى، تواجه النساء صعوبات عدة مرتبطة بجنسهن. وفي التحقيق الذي أجرته إستيبانيز، أكدت غالبيتهن أن الحياة الزوجية والأطفال من العناصر التي تلقي بتأثيرها على مسيرتهن المهنية. ويزداد الوضع تعقيداً متى علمنا أن فترة خصوبة المرأة تتزامن تحديداً مع المرحلة التي تكون مستعدة فيها لمتابعة دراسات الدكتوراه والتحصيل العلمي أو المشاركة في لقاءات دولية.
في الهيئة الإدارية للمجلس الوطني للبحث العلمي والتقني امرأة تدعى نويمي جيربال، وهي المرأة الأولى – والوحيدة حتى الآن – التي انتخبها زملاؤها، فيما يشغل رجال الوظائف السبع الأخرى ضمن الهيئة. جيربال حائزة على درجة الدكتوراه في التاريخ وتعمل كباحثة، لكنها لا تخفي معارضتها للإجراءات الإيجابية التي تقضي بتوظيف المرأة بصورة إلزامية. وهي تفضل الإحاطة بجذور المشكلة وتخطيها على الحلول المؤقتة والقسرية. وتقول: "تشكل المواقف السائدة في الأوساط العلمية امتداداً للسلطة السياسية وانعكاساً لها. فمن خلال المشاركة في الحياة العلمية على مستوى رفيع، ننسج علاقات بالسلطة والإدارة وندرك معنى نفوذ الوظيفة وتأثيرها. هذا كله أقرب إلى العالم الذكوري. من هذا المنطلق، يجب أن تتيح استراتيجيتنا الكشف عن عدم المساواة والحواجز الماثلة أمام النساء".

|
 © سو ليفيناس
نويمي جيربال
|
العرفان الصعب
إنها حواجز يمكن تجاوزها شرط وجود الإرادة السياسية لذلك. هذا ما سعت جيربال إلى تبيانه في تحقيقها الذي يحمل عنوان "الجنس والعلم، أو مسألة المساواة بين الجنسين في النظام العلمي الأرجنتيني". وقد أصابت الأهداف التي كانت تتوخاها إذ أظهرت أن "ليس هناك من نساء على رأس إحدى الجامعات الخاصة في البلاد، وأن عددهن قليل جداً في الجامعات العامة. وإذا كانت النساء يحررن عادة المقالات الواردة في المجلات العلمية، فإن مدراء هذه الإصدارات من الرجال في أغلب الأحيان. صحيح أنه لا يوجد في الأرجنتين، خلافاً لبلدان أخرى، تفاوت في الرواتب التي يتقاضاها العلماء، رجالاً ونساءً، إلا أن الفوارق تبرز جليَّة في الممانعة القائمة أمام وصول النساء إلى وظائف معينة. إنها مسألة نفوذ أكثر منها مسألة عدم مساواة اقتصادية.
وتشدد سيلفيا كوشن على أن "تقييم الواقع بالتفصيل يستدعي تجاوز الأرقام ومراقبة ما يحدث فعلاً على الأرض". هذا ما يحثها على العمل على إعداد مؤشرات جديدة تتيح تقديم صورة أكثر دقة بشأن ميزان القوى بين الرجال والنساء في مجال البحث.
سوليداد فايخوس، بوينوس أيريس