ISSN 1993-8616

العدد الثاني - 2008


مؤشرات





© الحقوق محفوظة
أبو عبد الله رودكي

رودكي، سلطان الشعراء

"منذ أن انبثق العالم من الظلمات، لم يندم شخص في الدنيا حتى الآن لتكريس حياته للبحث والدراسة". هذا ما كتبه أبو عبد الله رودكي (858-941 م) الذي يُعد، عن حق، مؤسس الأدب الطاجيكي – الفارسي.

وقد اقترحت طاجيكستان على اليونسكو، بتأييد من أفغانستان وجمهورية إيران الإسلامية وكازاخستان، المشاركة في الاحتفال بمرور 1150 عاماً على ولادته.

وبمناسبة اليوم العالمي للشعر (21 آذار/مارس)، توجه رسالة اليونسكو تحية تكريم لهذا الشاعر.


وُلد رودكي الذي يعني اسمه "الساقية الصغيرة" بلغة داري (لغة فارسية) عام 858 م في ضواحي بندجاكنت، على بعد 200 كيلومتر من شمال دوشانبي، عاصمة طاجيكستان. ومنذ سن الثامنة، حفظ القرآن عن ظهر قلب. وصلت أصداء شهرته إلى بخارى (في أوزبكستان حالياً) بوصفه شاعراً مرهفاً وموسيقياً بارعاً ومغنياً. فدعي إلى البلاط كشاعر رسمي. وأمضى فيه جزءاً كبيراً من حياته في خدمة سلالة السامانيين (875-999).

كانت بخارى عاصمة أول دولة مستقلة كبرى في الخلافة الإسلامية، ومركز الثقافة الطاجيكية. وقد شجع السامانيون تطور العلوم والهندسة المعمارية والشعر فيها باللغة الفارسية. كما أن سكانها تميزوا بمستوى رفيع من المعرفة والعلم، بعدما أسهم الإسلام في نشر النصوص القرآنية على نطاق واسع. وبحسب الفيلسوف والكاتب والطبيب ابن سينا، كانت مكتبة بخارى تحوي "عدداً من الكتب يجهل كثر من الناس حتى بوجودها".

شاعر السهل الممتنع


© فوته
منحوتة رودكي في طاجيكستان

عاصر رودكي حقبتين مختلفتين، وتمكن من أن يمزج في فنه بين التقاليد الشعرية - الموسيقية العائدة إلى فترة ما قبل الإسلام، والغناء الطاجيكي – الإيراني والأشكال الجديدة لطريقة نظم الشعر العربي. كما كتب باللغة الفارسية الجديدة (داري)، علماً أن اللغة الفارسية التي كانت قائمة آنذاك تحولت إلى الخط العربي بعد الفتوحات العربية لمنطقة آسيا الوسطى ونشر الإسلام.

وتتميز أبيات "سلطان الشعراء" كما كان يُلقب، بإيمان راسخ بقوة الإنسان وإدراكه، والحكمة الناتجة عن التجربة، وإرادة امتلاك العلم، وعمل الخير وتحقيق العدالة. وقد أدّت لغته المختصرة وبساطة عبارته الشعرية إلى ولادة أسلوب أدبي جديد عُرف بأسلوب "رودكي" وطغى على الشعر الفارسي طوال قرون عدة. وكان أهل المعرفة يصفون أسلوب الشاعر، حتى القرون الوسطى، بـ"السهل الممتنع".

احتفل رودكي في قصائده بالطبيعة وبالإنسان ومشاعره النبيلة ومُثله. كما تناول مسائل الفلسفة والأخلاق، ساعياً إلى تحسين آداب وشيم ذاك العصر عن طريق قوة البيت الشعري. هو أول من نظر، في الشعر الفارسي، نظرة مباشرة إلى الإنسان، بل ووضعه أيضاً في صلب فنه: الإنسان العادي، "الأرضي"، الذي يفكر بطريقة بسيطة وشفافة.

برع رودكي في مختلف الأنواع الشعرية: الرباعيات، والغزل، والقصيدة، والمثنوي، وغيرها من القصائد الغنائية. ولم يبق من أعماله سوى قصيدة "أم الخمر" وحوالي أربعين رباعية. وثمة أجزاء أخرى وصلتنا من أعماله من نوع المديح والقصائد الغنائية والإرشادية، ولا سيما من قصيدة "كليلة ودمنة" وخمسة نصوص أخرى.

بعدما خدم أكثر من 40 عاماً في بلاط السامانيين، فقد الشاعر حظوته في أواخر حياته بسبب تعاطفه مع القرامطة المتمردين. وقد توفي ضريراً، ويعتقد البعض أن عيناه فقئتا قبل نفيه من البلاط. أمضى آخر أيامه في عوز كبير وفارق الحياة عام 941 في بنج رود، قريته ومسقط رأسه.