العدد الثاني - 2008
فيرونيك تادجو، هاوية جمع ذكريات الأسفار

|
 © اليونسكو/ فيرونيك تادجو
"دورة الحياة"، لوحة لفيرونيك تادجو – التقطت الفنانة هذه الصورة في حديقتها في نيروبي (كينيا).
|
تبدأ تجربة المنفى عندما تغدو العودة إلى البلد الذي رحلتم عنه مستحيلة، تقول الشاعرة، والروائية، والرسامة فيرونيك تادجو، الفائزة عام 2005 بالجائزة الأدبية الكبرى لأفريقيا السوداء. وُلدت تادجو عام 1955 في باريس ونشأت في أبيدجان، وهي تعيش اليوم في جنوب أفريقيا بعدما جابت العالم بأسره.
حاورها برنار مانييه، صحافي فرنسي متخصص في الأدب الأفريقي
هل أن أسفارك الكثيرة تركت أثرها على أعمالك الأدبية وأسهمت فيها، وبأي طريقة؟
قد يسعني وضع علم صغير على كل نص من نصوصي. فهي تحمل جميعاً آثار الأماكن التي كنت أعيش فيها. لقد استعرت ودمجت عناصر كثيرة التقطتها هنا وهناك، كهواة جمع ذكريات الأسفار العائدين إلى بلادهم.
تشكل الرحلات جزءاً من حياتي منذ أن ولدت. لقد تزوجت من صحافي، وما زالت الأسفار حاضرة في حياتي: إنجلترا، المكسيك، نيجيريا، كينيا، وأعيش اليوم في جنوب أفريقيا...
كتبت مجموعتي الشعرية الأولى، "التربة الحمراء" (هاتييه، 1997)، أثناء اجتياز الصحراء بعد مغادرة باريس، على أثر إتمام دراستي. وكنت أشعر بالحنين إلى بلادي. فضلت السفر ببطء، والعودة إلى كوت ديفوار براً لكي أكتشف الصحراء التي طالما راودتني في الأحلام. وبدلاً من التقاط الصور، شرعت في الكتابة لأحكي التجارب التي كنت أعيشها. إنها الرحلة التي أثارت فيّ رغبة حقيقية في الكتابة.
هل أنت سريعة التأثر بمحيطك المباشر أثناء الكتابة؟
|

© منشورات "أكت سود"
غلاف الكتاب الذي أتاح لفيرونيك تادجو معالجة الصدمة التي أثارتها فيها الأحداث الرواندية
|
حتماً. ومن فرط العيش وسط الناس، ينتهي بنا الأمر إلى تقاسم آمالهم ومشاكلهم. نتوخى معرفتهم بشكل أعمق، وفهمهم على نحو أفضل. فأنا لا أود الانفراد بنفسي وراء باب موصد لأكتب، وإنما أسعى للمشاركة في الحياة اليومية، والتبادل، والتواصل، والإصغاء لأفكار الغير ونقل أفكاري إليهم.
أحياناً أردد لنفسي، لو لم أعش في كينيا، لما تمكنت، ربما، من الإحساس بعمق بالإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا. كان عدد اللاجئين الروانديين كبيراً جداً في نيروبي، وكثيراً ما كانت الصحف تتناول هذا الموضوع أثناء إقامتي هناك. وأصبحت كتابة "ظل إيمانة" (أكت سود، 2000)، وهو الكتاب الذي أتاح لي معالجة الصدمة التي أثارتها فيّ الأحداث الرواندية، نتيجة منطقية.
لقد عشتِ فترة طويلة بعيداً عن كوت ديفوار. كيف تعيشين الأزمة الإيفوارية؟
طالما سافرت والسكون يملأ قلبي وعقلي، قائلة لنفسي إن في استطاعتي العودة إلى بلادي متى أردت. لكن الأمور تغيرت مع الأزمة الإيفوارية. وكان انطباعي أن الباب أغلِق على حين غفلة وكنت ما أزال في الخارج. لم أدرك بسهولة ما حصل، وكيف وصلت بنا الأمور إلى هذا الحد. أحسست وكأن حريتي كانت مستلبة، وكأنما علي أن أبدأ كل شيء من الصفر.
أعتقد أن تجربة المنفى تبدأ عندما تغدو العودة إلى البلد الذي رحلتم عنه مستحيلة، وعندما تصبح طريق العودة موجعة. لكنني أظن أن كثراً من الإيفواريين شعروا بالشيء نفسه بطريقة معينة، بفكرة التغير الذي يُتعذر إصلاحه، وأحسوا بأن لا شيء بعد اليوم سيعود كما كان في الماضي.
يعيش عدد كبير من الروائيين عبر العالم في المنفى. هل تعتقدين أن المنفى يوفر حالة سانحة للكتابة؟
هناك المنفى المقصود والمنفى القسري. عندما نعيش في المنفى، بصفاء، قد يكون وضعنا "مريحاً". إذ أن الابتعاد يسمح لنا فعلاً بإعادة الأمور إلى حجمها الطبيعي، وإحداث مسافة معها ورؤيتها بشكل أوضح. وتصبح لدينا إمكانية الخروج من رتابة الحياة اليومية دون الغرق في التفاصيل الضاغطة. يمكننا إذن اعتماد موقع المراقب، وهو نوع من الترف لا يستطيع أن ينعم به الذين يعيشون دوماً في مواجهة مع الأحداث اليومية وتفاصيلها.
لكن المنفى لا يمكن أن يتسم بالصفاء ما لم تكن العودة إلى البلد الأصلي ممكنة بانتظام. وإلا، فلا يبقى لنا سوى الذكريات الضبابية، وهي حالة متعبة. ويصبح البلد الأصلي بمثابة أسطورة وليس واقعاً.
ولا أرى أي ميزة في عيش تجربة المنفى بكآبة. إنه تمزق. أما إذا كان دافعاً للكتابة، فقد يجرّ بالروائي إلى شكل من اليأس العميق. ومع تلاشي ذاكرة التفاصيل الصغيرة تدريجياً، يتعرض الإحساس بالذات للتفتت. فلا يبقى سوى اعتماد خيار صعب، وهو طي صفحة الماضي وتبني حياة جديدة أو العيش مع إحساس بالانسلاخ.
منذ صدور كتابك الأول، شهد موقع النساء في المشهد الأدبي الأفريقي تحولاً هاماً. كيف تنظرين إلى هذا التحول؟

|
 © بوك إس.أ.
فيرونيك تادجو: "من المثير للاهتمام أن نرى الوجهة التي سيسلكها على الأمد الطويل الأدب الذي تنتجه النساء".
|
بدأت النساء بإسماع صوتهنّ، وهن يبذلن نشاطاً لافتاً – ومنطقياً – في الكتابة. لقد مضت أجيال عديدة قبل أن تتمكن النساء من الانتفاع بالتعليم. ومضت أجيال عدة أخرى قبل أن تبدأ النساء بأخذ الكلمة في مجتمعات لا تحبذ ذلك. فمع دخولهنّ في الحياة العملية والسياسة، بدأت الذهنيات تتطور. وبات الجيل الصاعد يتمتع بانفتاح أكبر وسهولة متزايدة في الحركة.
لكن من المؤسف أن يكون المرور عبر أوروبا ضرورياً على الدوام لكي يكسب الروائي شهرة تتجاوز حدود البلد الأصلي. ويُعزى ذلك جزئياً إلى ضعف بنى النشر على صعيد القارة.
كما ينتابني قلق إزاء العولمة التي تبتلع جميع أشكال الكتابة لغاية واحدة هي التسويق. ومن المثير للاهتمام أن نرى الوجهة التي سيسلكها على الأمد الطويل الأدب الذي تنتجه النساء. وما هي تياراته؟ وإلى أي حد يختلف خطاب النساء عن خطاب أسلافهن الرجال؟
ماذا عن الأدب الخاص بالنشء؟ ما هي نظرتك إلى تطور هذا النتاج خلال الأعوام القليلة الماضية؟
يشكل الأدب الموجه للنشء، في رأيي، الحلقة المفقودة في هذه السلسلة. ولن يكون لنا أدب نشط لملاقاة جمهوره ما لم يكبر النشء في جو يشجع على القراءة وإقامة علاقة بالكتب. ولحسن الحظ أن الأشياء بدأت تشهد تحسناً. كما أدرك الناشرون الأفارقة أن السوق المحلي واعد جداً. فالنشء ما دون الـ15 من العمر يشكلون قرابة نصف السكان الأفارقة.
لقد أصبحت الكتب الموجهة للنشء أكثر فأكثر تنوعاً، سواء على مستوى المواضيع أو الرسوم. وهذا شيء جيد لأنه يتيح تنمية مخيلة النشء.