ISSN 1993-8616

العدد الثاني - 2008


ميشال غوفران: لعنة التيهان






© جمعية فوروارد
يصدر أول كتاب بالفرنسية لميشال غوفران، "لقطات سريعة من الواقع" ، عن منشورات سابين فيسبيزر، في 6 آذار/مارس المقبل.

تكشف ميشال غوفران عن البعد المتقد – وحتى الشهواني – للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتعيش هذه الروائية والشاعرة والمخرجة المسرحية، المولودة في تل أبيب، بين إسرائيل والولايات المتحدة. وقد فازت في عام 2003 بجائزة "أكوم" عن أفضل عمل أدبي في بلادها.




حاورتها ياسمينة شوبوفا

تعيشين اليوم بين قارتين. ماذا تحمل لك هذه التجربة؟

تمثل الإقامة في الـ"بين بين" تحديداً آخر لطريقتي في الوجود ككاتبة، وتتيح لي اعتماد وجهة نظر من قريب ومن مسافة معينة، إزاء نفسي وإزاء العالم في آن معاً. لقد فكرت دائماً، منذ أن كنت فتاة صغيرة، بأن "الحياة الحقيقية" تمرّ عبر الكتابة. لكن هذا الحلم تفتت، لأن جميع المؤلفين الذين كنت أعجب بهم كانوا يتكلمون عن بلدان بعيدة تؤوي حكايات ساحرة عن الطفولة. أما أنا، فكيف كان لي أن أصف الضجر العميق الذي يملأ حياتي فيما كنت محصورة بين أبوين متقدمين في السن (وقد تزوج كلاهما ثانية - مع عائلاتهما السابقة، سواء كانت حية أو ميتة، ولم أكن أدرك شيئاً عنها تقريباً) في شقة تقع في الطابق الثالث من تل أبيب؟

لم يكن أمامي سوى منفذ واحد، وهو أن ألوذ بالفرار. فذهبت إلى باريس لإعداد رسالة الدكتوراه. وتلك كانت وسيلتي لمواجهة نفسي وطرح الأسئلة من مسافة معينة. في هذا القرن المليء بالمنافي والهجرات، عشت تجربة يعرفها كثر آخرون، وأعني استيقاظ حس التعلق بقصتي والحنين إليها بعدما أصبحت بعيدة عن بلدي. تحولتُ إلى غريبة، وكنت أنتمي لـ"الأقلية". كنت منفية، وشبيهة بالمتشردين في زوايا الطرق. في هذه المرحلة بالذات، وللمرة الأولى في حياتي، وُلد فيّ الإحساس بالآخر.

ولدى عودتي إلى إسرائيل، لم أكن المرأة نفسها. غادرت تل أبيب لأستقر في القدس. وأشعر مع ذلك بالتوتر القائم بين المدينتين، كنوع من التجاذب بين المقدَّس والمدنس.

منذ ذلك الحين، تترجّح حياتي العائلية بين القدس ورحلات منتظمة إلى باريس ونيو جيرسي. بات العيش في الـ"بين بين" يشكل منفاي كمؤلفة، وطريقتي لمواجهة نفسي باستمرار ومواجهة التحديات الجديدة بلا انقطاع.

إيلانا تسورييل، بطلة روايتك "لقطات سريعة من الواقع"، مثلك، ابنة أحد مؤسسي دولة إسرائيل. تقول إنها مصابة بـ"لعنة التيهان".

إنه التعبير الذي تستخدمه إيلانا بسخرية لوصف الطابع الكوزموبوليتاني لوجودها. وهو تعبير ينطوي على حد من النقد الصهيوني للشتات اليهودي، وحلم "إنقاذ" اليهود من قدر المنفى والتيهان، وذلك بالعودة إلى أرض الميعاد، إلى دولة جديدة مستقلة. إيلانا غادرت إسرائيل هرباً من العنف الباطن لعملية البناء الوطني، والصراع الذي ولّدته. ومع إمعانها في التفكير والنضج الذي اكتسبته في مسيرتها كمهندسة معمارية، بدأت تجهد نفسها للتحرر من هذه التناقضات الضيقة. وفي مشروعها لإنشاء نصب للسلام في القدس التي تمثل مركز الصراع، تستعين بالمفاهيم اليهودية التقليدية (السنة السبتية، وكوخ "سوكا") التي تتضمّن بعدَي الترحل والزهد كطريقة بديلة للعيش في مكان ما.

والدتك نجت من محرقة اليهود. إلى أي حد قد أثر ذلك على أسلوب حياتك ونتاجك؟


© ريفير هيدز
"لقطات سريعة من الواقع" ، ريفير هيدز، 2007

والدتي امرأة قوية ومفعمة بالحياة. لم تحدثني يوماً عما عاشته. عندما وصلت إلى إسرائيل، في عام 1948، عمدت إلى نزع الرقم الذي وشِمت به لدى وصولها إلى أوشفيتز. ولم أدرك أبداً، عندما كنت طفلة، أن "والدتي كانت من ضحايا المحرقة"، وأن ابنها الذي كانت تخبّئ صوراً له في درج الملابس الداخلية الذي كنت أفتحه خفية، رحل عن هذا العالم.

في سن المراهقة، بدأت مسيرتي الطويلة والمعقدة نحو الحقيقة، وهي مسيرة تتحدّد تفاصيلها من جديد في كل مرحلة من حياتنا. إنها بمثابة سؤال مفتوح يلازمني، والتزام لا يفارقني، ويعكس تمسكي بإخلاص بالبعد الأخلاقي لوالدتي، أي أن أتصرف كـ"كائن بشري حقيقي". وبالنسبة لي، إنها العبرة الفعلية الوحيدة التي يمكن استخلاصها أمام الهاوية الذي تواجه البشرية.

كما أحاول في معظم كتاباتي، من روايات وشعر وبحوث، أيضاً وأيضاً، أن أضع كلمات تعكس الحدود القصوى لهذا المعيش وهذا الواجب اللذين يتسمان بالفرادة.

حبّ إيلانا لسعيد، الفلسطيني، يملأها بشعور بالخيانة حيال والدها. هل يمكن أن تحدثينا عن هذا الشعور؟

تظهِر العلاقة بين إيلانا وسعيد البعد المتقد – وحتى الشهواني – للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إنه، في النهاية، صراع يستمد جذوره من الديانات الإبراهيمية [السماوية] المستندة إلى حس الاستبعاد والمنافسة المتقدة بين الأخوة.

ولهذا الصراع السياسي تبعات مأساوية، إذ أن الإخلاص لتاريخ محدد منهما يُعدّ، ببساطة، كخيانة محتومة للتاريخ الآخر. وتعتقد إيلانا التي تدعم فريق السلام أنها قادرة على تجاوز هذه الحدود حتى وإن خانت الالتزام الصهيوني لوالدها. لكنها تدرك في مرحلة من الرواية، من خلال مواصلة قراءة محفوظات أبيها، أن حلم السلام الذي كان يفكر فيه ليس بعيداً حقاً عن حلمها، في حين أنها شعرت أثناء حرب الخليج والانتفاضة بالخيبة إزاء سعيد وأعضاء الفرقة المسرحية الفلسطينية لإهمالهم تدريجياً التعاون الذي كان قائماً بينهم.

أين الخيانة وأين الأمانة؟ إنه سؤال جوهري يعالجه كتاب ""لقطات سريعة من الواقع" من وجهة نظر شخصية وشهوانية وسياسية. ويسأل أيضاً عما إذا كانت خيانة اعتقادات راسخة جداً لا يعادل، في الواقع، فعل أمانة حقيقي. لا ريب أن المرأة قادرة على طرح هذا السؤال بأكثر الأشكال حدة وإيلاماً، على اعتبار أنها نادراً ما تُمنح حق الفعل، وأن النساء نادراً ما يتمتعن بإمكانية التحكم بوجودهن وأجسادهن.

تمارسين التعليم في مدرسة المسرح البصري في القدس. وتشكل الرواية والمسرح، هنا أيضاً، عالمين اثنين تبحرين فيهما.


© 2007، بالانس
مشهد من رقص الباليه لدانيا الراز - المسرح البصري، القدس

يحدث كثيراً أن أقوم بـ"الارتجال" كأي ممثل، وأن أذهب بالكتابة إلى مجالات مجهولة، حتى مني، وذلك فقط لملاحقة "الأشياء التي لا تقال" ولمسها وإدراكها. وغالباً ما أستعين بالمونولوج الذي يسمح لي أن ألتقط بدقة نبرة وتموج الصوت الحي، واللحظة المتوارية. فمن خلال الإيقاع، والتنفس، والحضور الجسدي، "أستدرج" القارئ لـ"تفسير" المونولوج والإحساس به بالقوة نفسها التي تسكن الممثل أثناء تأدية دوره.

وفي سياق تعليم المخرجين الناشئين في إسرائيل، أعمل مع طلاب آتين من أفق مختلفة، وحتى متعارضة، وما يمكن أن تنتجه المنطقة: مع الشباب الذين كانوا يعبّرون من خلال عمل لتشيكوف عن الألم الذي أحسّوا به على أثر انسحاب المستوطنين اليهود من غزة، وكذلك مع فلسطينيين شباب يثابرون، هم أيضاً، على التعبير عن ألمهم بواسطة الكتابة أو الإخراج.

وكان مسعاي دائماً أن أتيح لهؤلاء الشباب تنمية موهبتهم وتأدية رسالتهم كاملة كفنانين، علاوة على التمسك بالتزامي العميق بالفن المسرحي – وهو التزام صادق وموضوعي موجّه، في المقام الأول، لخدمة البعد الإنساني للمسرح، والإنسانية.