العدد الثاني - 2008
كيران ديساي – حياة بين الشرق والغرب

|
 © جيري بوور
كيران ديساي، أصغر الفائزين سناً بجائزة "بوكر".
|
أصبحت كيران ديساي، على أثر المكافأة التي نالتها عن كتابها "ميراث الخسارة"، أصغر الفائزين سناً بجائزة "بوكر" الأدبية (2006). تروي في كتابها المنفى، والعولمة، والانتماء إلى ثقافتين. وُلدت ديساي عام 1971 في نيودلهي، وغادرت الهند في عام 1986 بصحبة والدتها، الروائية أنيتا ديساي، إلى إنجلترا أولاً حيث عاشت فترة، قبل أن تتوجه إلى الولايات المتحدة.
منذ أن فاز كتابها الثاني، "ميراث الخسارة"، في تشرين الأول/أكتوبر 2006، بجائزة "مان بوكر" التي يطمح إليها الكثيرون، تحولت حياة كيران ديساي إلى تجربة مثملة من الأسفار والمدح والثناء. نشأت ديساي في الهند، لكنها أمضت أكثر من نصف حياتها في الولايات المتحدة. وقد باتت هذه المرأة الشابة، البالغة من العمر 36 عاماً، بخجلها وتواضعها، إحدى أبرز شخصيات الحلقات الأدبية الدولية.
تجوب كيران ديساي أرجاء العالم، من هاي – أون – واي (المملكة المتحدة، بلاد ويلز) إلى كوبنهاغن (الدنمارك)، وصولاً إلى الصين، وجنوب أفريقيا، وسري لانكا، والبرازيل، وكندا، وإندونيسيا، وكولومبيا – إنها حياة غنية بالمحطات والمفاجآت وكأنها لـ "شخصية للرسوم المتحركة"، تقول ضاحكة.
حياة جديدة على النقيض من الأعوام الثمانية التي أنهكتها في كتابة رواية فتحت لها أبواب المجد. وتعترف قائلة: "كانت رحلة طويلة، طويلة جداً. وكنت كئيبة ومنهكة في آن عندما انتهيت من كتابتها". لكنها تضيف أنها عاشت بسعادة كبرى عملية الكتابة نفسها التي غالباً ما تتطلب العزلة. وقد عاشت ديساي قسطها من الظروف القاسية عندما استنفدت السلفة التي قدمها لها ناشر الكتاب، وكانت عاجزة حتى عن تمويل تغطيتها الاجتماعية أو مسكن لها.
وتوضح قائلة: "عشت حياة تقشف وشحّ طوال الفترة التي أمضيتها في كتابة روايتي، لشدة خوفي من نتائج تلك المجازفة". وهي تأمل أن تتيح لها الجائزة التي تكلل اليوم هذه الجهود بالتحول إلى درجة من "اللهو والتسلية" عند استعادة الكتابة.
ليست الهجرة سوى خدعة كبيرة 
|

© فليكر/ سانجيت كوتاري
الفرقة الهندية "كولونيال كوزينز" تهز مشاعر سكان نيويورك، على مقربة من "برايانت بارك".
|
بيد أن أشد المحن التي فرضتها الكتابة على هذه المرأة التي وُلدت في مكان ما وأقامت في مكان آخر كانت القبول بهويتها. هي ابنة الروائية الهندية الشهيرة أنيتا ديساي، وقد وُلدت في الهند عام 1971. وكانت تبلغ من العمر 15 عاماً عندما هاجرت إلى الولايات المتحدة عن طريق بريطانيا.
ظنت في البداية أن "هجرة بلا مشاكل" تنتظرها. وكان ذلك قبل الشروع في كتابة روايتها واكتشاف "ماذا تعني الحياة بين الشرق والغرب".
فهذه المغامرة قادتها إلى التساؤل عن ماضي عائلتها المليء بالترحال والمنافي. جدّتها لأمها ألمانية، ولم ترَ بلادها ثانية قط منذ أن اختارت العيش في الهند في بداية الحرب العالمية الثانية. وجدّها لاجئ من بنغلادش. أما جدّها لأبيها، فلقد غادر قرية صغيرة في ولاية "غوجارات" بغرب الهند، متوجهاً إلى إنجلترا للدراسة. ثم عاد إلى بلاده لخدمة الدولة. وهي تقول: "لم أغادر الهند صدفة. إنها آلية متكاملة انطلقت منذ زمن بعيد وأدت إلى قرار الرحيل".
كما باحت خلال مقابلة مع محطة "سي أن أن" التلفزيونية: "بالنسبة لي، ليست الهجرة سوى خدعة كبيرة: نتوهم الأشياء، وننتحل شخصيات جديدة، ويلزمنا كثير من الوقت للتحرر من كل ذلك".
في بادئ الأمر، كانت كيران ديساي تتخيل أنها ستشعر مع مرور الوقت بأنها أمريكية أكثر من كونها هندية. ومع ذلك، فهي تتشبث بجواز سفرها الهندي. "يسألونني باستمرار أين يقع وطني. لكنني اليوم، بعد هذه الرواية، عاجزة أكثر من قبل عن الإجابة على هذا السؤال".
وهي ترى "أن الأدب لا يأبه بالأعلام والأناشيد الوطنية، وأن هذين النهجين يفرطان في تبسيط مفهوم الإخلاص". لكن الكتاب أعادها إلى الهند على أكثر من صعيد. وهي تشعر بأنها "هندية أكثر بكثير" منذ أن انتهت من كتابته، وتوضح قائلة: "يمنح الانتماء إلى الشتات الهندي نقطة إرساء دقيقة للبدء بالعمل، حتى وإن كان لا يعيدني إلى نقطة جغرافية معينة. كان كتابي بمثابة رحلة العودة إلى الهندوة، وإلى إدراك أن وجهة النظر هذه قيّمة جداً ولا يمكن التخلي عنها ببساطة. لا ريب أن أمريكا كانت قادرة على تزويدي بنصف رواية، لكنه تعيّن عليّ الذهاب للقاء الهند لأستمد منها النصف الثاني من القصة، لما تكتنز به من عمق نفسي وكثافة تاريخية أحتاج إليهما".
"كتابها بليغ الأثر بإنسانيته... إنها رواية رائعة ببعدها الإنساني وحكمتها، وكذلك برقتها وحنانها الهزلي، وبُعدها السياسي النافذ". هذا ما تقوله هيرميون لي، رئيسة لجنة التحكيم التي كافأت كيران ديساي، جاعلة منها أصغر النساء سناً بين الفائزات بالجائزة الأدبية منذ إنشائها قبل 40 عاماً.
والدتي فتحت لي أبواب حلقة سحرية 
|
 © ريغولي نارا
"ميراث الخسارة" أعاد كيران ديساي إلى الهند، بلدها الأصلي.
|
وتعترف ديساي على الفور بتأثيراتها الأدبية: ف. س. نايبول، ر. ك. نارايان، سلمان رشدي، شينوا أشيبي، نجيب محفوظ، غارسيا ماركيز، ترومان كابوت، تينيسي ويليامز، كنزابورو أوي، كازوو إيشيغورو... لكن والدتها هي التي تركت الأثر الأعمق في كتابتها. "أنا مدينة لها بالكثير، ولا أخطئ في القول إن هذا الكتاب هو كتابها بقدر ما هو كتابي". هذا ما أعلنته كيران ديساي لدى استلامها الجائزة التي رُشحت والدتها لها ثلاث مرات دون أن تفوز بها يوماً.
وتصف علاقتها بأمها بالقول إنها تتجاوز بكثير مجرد القراءة الثانية للمخطوطات. وتبوح قائلة: "عندما أذهب لزيارتها – هي تعيش على مسافة ساعة من هنا – أشعر وكأنني أدخل في بعد آخر، في حلقة سحرية، ويسعني التفكير والعمل في هذا المكان الذي لا يشبه أي مكان آخر. هذا يعود إلى السكون الذي يلف المنزل، وثبات النور، وعطر المنفى الذي يبدو ضرورياً للكتابة، وكل ما يسهم في جعل هذا المكان منزل كاتبة. إيقاع الكتابة هذا ثمرة خمسين عاماً من العمل، وهو يعود إلى ذاك الزمن الماضي حيث كانت الكتابة للكتابة في الهند وليس لتناول "الساموسا" في حفلات الكوكتيل.
وتأمل كيران ديساي بالإفلات من الأضواء قريباً للإقامة بعض الوقت مع والدتها في المكسيك، حيث ستواصلان الكتابة وتشرع هي في عملها الجديد. وعلى غرار والدتها، تفضل كيران ديساي عدم الحديث عن المشروع قبل الانتهاء منه. لكن يُرجح أن تحوي روايتها الثالثة "خليطاً من الأماكن التي تبعث على التفكير بما تحمله الأماكن من حقائق وأكاذيب"، بحسب تعبيرها.
كما أنها ستبتعد عن الأسلوب الروائي للمشاركة في نتاج مشترك بعنوان "سوترا [مجموعة حكم] الإيدز/السيدا: التاريخ السري للإيدز/السيدا في الهند"، لمؤلفين ذائعي الصيت ذهبوا للقاء المصابين بفيروس هذا المرض في الهند. وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة بيل وميليندا غايتس تموّل هذه المختارات التي ستصدر عن منشورات "راندوم هاوس إينديا" في أيار/مايو المقبل، بهدف فتح النقاش العام مجدداً بشأن هذا المرض في الهند وفي العالم.
شيراز سيدفا، صحافية هندية مقيمة في الولايات المتحدة