ISSN 1993-8616

العدد الثاني - 2008


ماريا ميدرانو – من داخل السجن إلى العالم





© اليونسكو/ يوانا غيرسا
أعمال معروضة في مهرجان "لم أفعل شيئاً"

منذ خمسة أعوام، تعبر الشاعرة الأرجنتينية ماريا ميدرانو أسبوعياً القضبان الحديدية لسجن واقع بالقرب من بوينس آيرس لإحياء حلقة من الشعر. وتقيم جسراً بين "الداخل" و"الخارج"، تحوّل مع الوقت إلى مجال حيوي بالنسبة للسجينات المنتميات إلى جنسيات مختلفة.



تضع نظارتين سوداوين على رأسها، وفي يدها مضخم للصوت. تبدأ يومها بهذه الكلمات: "الصداقة شيء مقدس. تقوم فقط بين أهل الخير. [...] ولا مكان لها مع الخداع والظلم والقساوة". اسمها سيلفيا إيلينا ماشادو، وهي تقرأ بصوت عالٍ أحد ملصقات دار نشر صغيرة مستقلة على الجدران الوردية لقاعة الأنشطة التابعة لوحدة 31 في سجن "إزيزا" للنساء، في إحدى ضواحي بوينس آيرس.

منذ خمسة أعوام وهذه القاعة تشهد، كل يوم جمعة، حلقة شعرية تشارك فيها ما بين 10 و15 سجينة. إنه يوم عطلة [7 كانون الأول/ديسمبر 2007] احتفالاً بالمهرجان الثاني للشعر الذي يحمل عنوان "لم أفعل شيئاً".

جمع من الأشخاص يسيرون عبر القاعة خلف سيلفيا إيلينا، وهي تواصل قراءة "خطاب الخضوع الطوعي" للكاتب الفرنسي إتيان دو لا بُويسي: "بين الخبثاء [...] لا مجال للحب وإنما للخشية. ولا مجال للصداقة وإنما للتواطؤ فقط".

ينتقل مضخم الصوت من يد إلى أخرى. بعد سيلفيا إيلينا التي تعود للمرة الأولى إلى السجن منذ الإفراج عنها قبل عشرة أشهر، يأتي دور لورا روس، وهي سجينة لم يُحدد موعد خروجها بعد: "خذوا بأنفسكم قرار وقف الخضوع...".

أصوات أخرى، وسجينات أخريات يقرأن بصعوبة وخجل، تشجعهن في ذلك تربيتة خفيفة على الكتف من جانب رفيقاتهن. ويعلو التصفيق. في الخارج، الشمس تسطع بنورها، لكنه لا يُسمح لحارسات السجن بفتح الباب المطل على الفناء الصغير.

لم أفعل شيئاً


© اليونسكو/ يوانا غيرسا
بدأ للتو المهرجان الثاني للشعر "لم أفعل شيئاً"!

إنها العبارة المفضلة لـ"بارت سيمبسون" [الصبي الصغير البالغ من العمر 10 سنوات في سلسلة الرسوم المتحركة الشهيرة]. "لم أفعل شيئاً"، عنوان اختارته المشاركات في الحلقة قبل عامين لإطلاق المهرجان الأول. وقد أعطين العنوان نفسه لمختاراتهن الشعرية الأولى. في هذا الكتاب، مقدمة لماريا ميدرانو، الشاعرة التي تجتاز مع زميلتها كلاوديا برادو القضبان الحديدية لسجن "إزيزا" مرة كل أسبوع، محمَّلة بالكتب: "لم يكن لمعظم النساء المشاركات في الحلقة أي اتصال بهذا النوع الأدبي من قبل. لقد قرر عدد منهن تسجيل أنفسهن لـ"قتل الوقت"، فيما نساء أخريات فعلن ذلك بدافع الفضول. وشيئاً فشيئاً، أصبحت الحلقة مجالاً حيوياً [...]. هن يردن حلقة شعرية بعيدة عن لغة "تومبرا" [تعني كلمة تومبرا ما ينتمي إلى عالم السجن في الأرجنتين، وكلمة "تومبا" (القبر) السجن] لأن تلك اللغة، بالنسبة إليهن، جزء من عملية إزالة الذاتية التي يتعرضن لها. فعندما يدخل الإنسان السجن، لا يعود شخصاً وإنما "حزمة" (هكذا تدعوهن الحارسات). ويُمنحن اسماً جديداً، وكنية من لغة "تومبرا"، فيما تتحول اللغة اليومية تدريجياً إلى لغة السجن".

هنا، يصبح الشعر مجال مقاومة، حتى وإن كان يُعتبر، بالنسبة لنظام السجن، جزءاً من الحلقات الثقافية، أي "غير المنتجة" وغير المدرّة للدخل، خلافاً لمحترف الخبازة أو صنع الألعاب النسيجية (حيث تعمل السجينات لقاء دخل صغير يسعهن الاحتفاظ به أو إرساله إلى عائلاتهن).

قبل عامين، كانت ليز حاملاً عندما قرأت نصوصها الشعرية بمناسبة المهرجان الأول. هي امرأة سوداء تغطي ضفائرها جبينها. تنظر اليوم إلى ابنها "جيهوفا" وهو يجري بين الشعراء والشاعرات والصحافيين والزائرين الآتين من الخارج، بينما تنتظر دورها لتقاسم ما كتبته مع رفيقاتها. وتقول: "أريد أن أقرأ نصاً أهواه كثيراً. وآمل أن يعجبكم أيضاً... أحبه كالسرطان الذي ينخر جسدي...".

كسر حواجز اللغة أيضاً


© اليونسكو/ يوانا غيرسا
كتابات السجينات تخرج إلى العالم وهن يبقين "في الداخل".

"أحبه كالسرطان الذي ينخر جسدي
أبغضه كالهواء الذي أتنشقه
أتوق إليه كما أتوق إلى الموت
أصدّه كما أصدّ السعادة
أين أنت؟..."
ليز م.

شابة شقراء في مرحلة متقدمة جداً من الحمل تطلب إلى المصور الذي أتى للمشاركة في الاحتفال بالتقاط صورة لها. تريد أن تبعث بها إلى خطيبها الذي لا يستطيع زيارتها دائماً. كما تريد أن تنتهز فرصة وجود آلة التصوير الرقمية لترى صورتها. فما من مرآة في السجن.

عبر النوافذ العالية، يمكن رؤية الطائرات المارة من هنا. المطار يقع على بضعة كيلومترات، ولهذا السبب تستقبل وحدة السجن هذه نساء متهمات بالإتجار بالمخدرات. نساء يقبض موظفو الجمارك عليهن في منطقة "الترانزيت" المخصصة للعبور إلى بلدان أخرى في أغلب الأحيان، وفي حقائبهن المواد المخدرة. عدد منهن أجنبيات، ولم يفهمن تفاصيل الحكم الصادر بحقهن. يتعلمن الإسبانية في السجن.

في برج بابل الصغير هذا، وجدت النساء مع ذلك وسيلة للمشاركة معاً في الحلقة الشعرية. وحول إحدى الطاولات الست لهذا اللقاء، تتعالى كلمات بالبولونية، والألمانية، والرومانية. لقد أتت ماريا ميدرانو إلى الحلقة الشعرية في أحد الأيام وفي جعبتها نصوص لشعراء يكتبون باللغات الأم للنساء. وأرادت السجينات المجيء إلى المهرجان مع تلك النصوص، لقراءتها بلغاتهن الأصلية وترجمتها لرفيقاتهن والزائرين.

كارمن امرأة رومانية تبلغ من العمر 52 عاماً. صوتها أبيّ وعذب في آن. تتذكّر أنها بكت في ذاك اليوم: "ثم بدأت بترجمة النص لكي تفهم رفيقاتي معناه. كنت أريد أن أغنّيه اليوم، لكنني شديدة التأثر ولم أجرؤ على ذلك". هي لم تخف من الغناء أمام الحضور، وإنما تتذكر أمها التي توفيت في رومانيا قبل أسبوع.

وفي شباط/فبراير، ستسلَّم كارمن إلى سلطات بلادها، وهي النهاية الاعتيادية للنساء المتهمات بالإتجار بالمخدرات.

سوليداد فاليوس، صحافية في يومية "باجينا 12"، بوينس آيرس - الأرجنتين.