ISSN 1993-8616

2009 - العدد الثاني


لنتحدث بجدية: ما المقصود بالشتي؟





© "توزيع باتيه"
لاصقة الفيلم الفرنسي "مرحباً بكم في بلاد الشتي".

أضحك الفيلم الفرنسي "مرحباً بكم في بلاد الشتي" الأوروبيين كثيراً، مؤخراً. إلا أن الواقع أقل فكاهة، فلغة شتي وهي فرع من اللغة البيكاردية المتداولة في شمال فرنسا أصبحت تشكل عاملاً اجتماعياً فاضحاً للناطقين بها لا يعدو أن يتحول إلى فولكلور في أحسن الأحوال.



"لغة شتي قريبة من البيكاردية" حسبما يفسر الممثل والمخرج الفرنسي داني بون في فيلم "مرحباً بكم في بلاد الشتي" والذي شاهده أكثر من 20 مليون فرنسي في قاعات السينما خلال السنة الماضية، مما أتاح للجمهور اكتشاف لغة تصفها اليونسكو بأنها من اللغات المهددة تهديداً شديداً بالاندثار.

الشتيمي أو الشتي، هي بالفعل واحدة من الفروع المحلية العديدة للغة البيكاردية. ويرى فرنان كارتون، عالم اللغة المختص في اللهجات البيكاردية ومؤلف "الأطلس اللغوي والإثنوغرافي البيكاردي"، أن "اللغة البيكاردية تعرف تنوعاً هائلاً من منطقة لأخرى، ويرجع ذلك إلى انتشارها اللغوي الذي يعتبر الأكثر امتداداً مقارنة باللغات الإقليمية الأخرى، فهي تغطي خمس مقاطعات في شمال فرنسا إضافة إلى جزء من بلجيكا". وبحسب الإقليم الذي تتواجدون فيه، قد تخاطبون باللغة الشتي أو البيكاردية، ومع ذلك كما يؤكد كارتون "إن الأمر يتعلق فعلاً باللغة ذاتها والخصائص الصوتية ذاتها والنحو ذاته وكلمات تنتمي لنفس المعجم".

هذه اللغة بدون شك أكثر ابتكاراً مما قد يوحي به الفيلم الذي يعرض لغة الشتي وكأنها نعيق حاد يقتصر على بعض التعابير تفصل بينها من وقت لآخر صيحة التعجب "هاه؟"، ورغم وجود أوجه تشابه مع الفرنسية، فاللاتينية هي أصل كلا اللغتين، تبقى الشتي غير مفهومة من قبل الأشخاص الذين ليست لهم دراية بها. ويفسر كارتون ذلك قائلاً "تنقيح الفرنسية ببعض الكلمات من هذه اللهجة الإقليمية، كما يرش الملح على البطاطس المقلية، لا يكفي للتحدث بلغة شتي".

بيد أن الفيلم يعطي صورة تعريفية عن حالة الشتي اليوم. ويقول آلان داوسون الدكتور في علم اللغة إن "الشباب يرددون تعابير سمعوها عن آبائهم أو أجدادهم لكنهم لا يسعون إلى التحدث بلغة شتي". وقد شهد داوسون هذه الظاهرة شخصياً وهو الذي ترجم الرسوم المصورة "أستيريكس" إلى اللغة البيكاردية وقد بيعت 101.000 نسخة من أول مجلد ترجمه محققاً بذلك أكبر مبيعات الكتب المترجمة إلى اللغات الإقليمية حسب الناشر ألبير رينيه.

ويضيف داوسون محللاً "كان هذا النجاح بمثابة المفاجئة، إلا أنه نجاح متناقض فهو دليل على ضعف حيوية هذه اللغة. حين التقينا بالقراء، اكتشفنا أنهم يكتفون فقط باقتناء الكتاب ويطلعون عليه بحثاً عن الكلمات التي يعرفونها. قليلون من قرؤوه من البداية إلى النهاية". كما أن كتابي "دليل الجيب لتعلم الشتي" و"دليل الجيب لتعلم البيكاردية" الصادران عن دار آسيميل ورغم تحقيقهما نجاحاً كبيراً من حيث رقم المبيعات فإن هذا النجاح لم يصاحبه تزايد في النطق بهذه اللغات. ويردف داوسون "هذا الأمر يدل على أن الأشخاص هم بصدد الحفاظ على التراث لكنهم لا يكترثون بالاستعمال الحي للغة".



© "أوديرزو"
غلاف كتاب القصص المصورة "أستيريكس في بيكاردي: "اوبيليكس" يخاطب "أستيريكس" بستة لغات إقليمية.

لغة في أسفل السلم الاجتماعي

يصعب اليوم معرفة عدد الناطقين باللغة البيكاردية بالتحديد، والأرقام الوحيدة الموجودة تعود إلى إحصاء أجري عام 1999. وبحسب جان ميشيل إيلوا أستاذ اللغويات في جامعة بيكاردي جول فيرن، فإن 12٪ من السكان في خمس مقاطعات فرنسية صرحوا استمرارهم في التحدث بهذه اللغة، ما يعادل نحو 500.000 شخص. وحين نقوم بالمقاربة على مجمل الرقعة اللغوية المعنية، يبلغ مجموع الناطقين بالبيكاردية مليوني شخص.

ويفسر تاباني سالمينان المنسق الإقليمي لأطلس لغات العالم المهددة بالاندثار الصادر عن اليونسكو وخبير اللغويات العرقية في أكاديمية فنلندا قائلاً "المشكلة المطروحة في فرنسا هي أنه حتى اللغات التي كانت متداولة بين أعداد كبيرة من السكان إلى زمن قريب مثل لغة البريتاني أوشكت على الانقراض من الاستعمال اليومي لدى الأجيال الناشئة. ورغم استمرار وجود مناطق تحتفظ فيها اللغة البيكاردية بالحيوية على طول الحدود الفرنسية البلجيكية، وهي مناطق تعتبر فيها هذه اللغة لغة الانتماء إلى مجموعة معينة، فهي تعاني من نفس المشاكل التي تواجهها لغة البريتاني".

ورغم أن اللغة البيكاردية تبقى عاملاً ثقافياً قوياً للتميز عن اللغة الفلامنكية في بلجيكا مثلاً، فهي تفقد نفوذها في فرنسا مع الاندثار التدريجي للثقافات العمالية والمنجمية والفلاحية التي لطالما ارتبطت بها.

وبحسب آلان داوسون "هذه اللغة هي لغة طبقة معينة وكانت متداولة في مصانع النسيج والمناجم". وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من المهاجرين البولنديين والإيطاليين والفلاندريين قد تعلموا الشتي في المصنع قبل تعلم الفرنسية. "لكن اليوم، أصبحت هذه اللغة توصم بالعار وتحول دون النجاح الاجتماعي"، مما يفسر إلى نحو ما عدم توارث هذه اللغة داخل الأسر.

ويتحسر أوليفييه أونغولير مدير وكالة اللغة البيكاردية في أميان (عاصمة إقليم بيكاردي شمال فرنسا) قائلاً "تعاني البيكاردية من غياب الشرعية"، وذلك بسبب وصمة العار الاجتماعية التي تتسبب بها وأيضاً بسبب قربها من الفرنسية. وبحسب أونغولير "يعتقد الكثيرون أن الحديث بهذه اللغة ما هو إلا تشويه للفرنسية. فحين تتكلم بالبيكاردية، ينظر إليك الناس بذهول ولا يحملونك محمل الجد".




© توماس ولاند
جون-ماري فرانسوا مدافع عن اللغة البيكاردية، ينقل أساطير المنطقة عبر القصائد والقصص القصيرة والمسرحيات.

الحفاظ على لغة لا يعني تحويلها إلى فولكلور

ويرى المدافعون عن اللغة البيكاردية أن حظوظ هذه الأخيرة في تجنب الاندثار أقل مقارنة بلغة البريتاني أو اللغة الباسكية لأن البيكاردية تفتقر إلى تمثيل عام. فليس هناك نشرات إخبارية تلفزيونية بالبيكاردية ولا توجد لافتات مزدوجة اللغة بأسماء المدن. ورغم أن وزارة الثقافة الفرنسية تعترف بها كـ"لغة من لغات فرنسا"، فإن وزارة التربية الوطنية لم تدرجها من جانبها على قائمة اللغات الإقليمية المدرسة. ويقول فرنان كارتون "توجد ريبة عامة إزاء اللغة البيكاردية. الناس يعتقدون أن تدريسها يجري على حساب الفرنسية في حين أثبتت الدراسات عكس ذلك، فتدريس البيكاردية يحفز على السعي إلى الاهتمام باللغات الأخرى".

ومع ذلك، تبقى اللغة البيكاردية في إقليم بيكاردي جزءاً من الهوية المحلية. ويقول أوليفييه أونغولير "نحن ندخل اللغة إلى المدارس بواسطة المسرح والدمى المتحركة وغيرها من الحكايات. ثمة سعي قوي لإعادة اكتشاف هذا التراث الثقافي حتى في المناطق التي يقل فيها عدد الناطقين بهذه اللغة".

ولقد أصبحت العروض الفنية والمسرحيات والقراءات العامة باللغة البيكاردية تستقطب جمهوراً واسعاً، كما يشارك المئات من الأشخاص في مسابقات مماثلة للقصص القصيرة. وعقب إنجاز فيلم داني بون، أصبحت القمصان الحاملة لعبارات بيكاردية ضرباً من الموضة، كما أذيعت قصيدة بالبيكاردية من تأليف لوسيان سويل على موقع يوتيوب على الانترنت. ومع ذلك، يحذر مدير وكالة البيكاردية "إن استمر غياب التدريس والتمثيل العام لهذه اللغة، فستصبح هذه فلكلوراً وليس لغة حية".


إيزابيل دورياز، صحفية فرنسية