ISSN 1993-8616

آذار/مارس 2006 - حتى آخر قطرة


مياه إلى ناعورة الحكم





© اليونسكو/إيناس فوربيس
بئر في مالي

العالم لا تنقصه المياه، أقله على الورق. لكن الموارد المائية موزعة بشكل غير متكافئ، وتخضع بالأخص لسوء الإدارة. هذا ما يشير إليه تقرير الأمم المتحدة العالمي الثاني عن تنمية الموارد المائية الذي جرى تقديمه في آذار/مارس 2006 في مكسيكو تحت عنوان "المياه، مسؤولية مشتركة". وهو يرصد هذا المورد عبر مختلف مناطق العالم أجمع.










ما زال شخص من بين كل خمسة أشخاص محروماً من مياه الشفة في العالم حتى يومنا هذا. والمياه غير المأمونة تسبب الوفاة. فلقد أدّت أمراض الإسهال والملاريا إلى وفاة أكثر من ثلاثة ملايين شخص في عام 2002، معظمهم من الأطفال ما دون الخامسة من العمر. وبحسب التقديرات، فإن مناطق معينة كأفريقيا جنوب الصحراء لن تحقق هدف الألفية الرامي إلى الحد إلى النصف من عدد الأشخاص المحرومين من مياه الشفة بحلول عام 2015.
الآفاق على الأمد القصير مثيرة للقلق. فالنمو السكاني يؤدي تلقائياً إلى تراجع كمية المياه المتوفرة للفرد. ومن المتوقع أن تزداد الاحتياجات الغذائية بنسبة 55% في عام 2030 لتلبية كوكبنا، علماً أن الاحتياجات المرتبطة بالري تمثل من الآن حوالي 70% من المياه العذبة التي يجري استهلاكها.
والمسألة لا تقتصر على الجانب التقني. "فالمطلوب ليس فقط حفر الآبار أو تحسين شبكة القنوات، وإنما تناول قضية المياه ضمن إطار أوسع. إنها مسألة تثير اهتمام العلم والتكنولوجيا، والثقافة وعلم الاجتماع"، بحسب أندراس سزوللوسي- ناجي، مدير قسم علوم المياه في اليونسكو. هذا فضلاً عن البعد السياسي. فهو يضيف قائلاً: "إنها مشكلة تتعلق أكثر بالحكم السليم وليس بالمورد بحد ذاته". ذلك أن سياسة الفساد وحدها تكلف ملايين الدولارات سنوياً، وتعيق إمدادات المياه. ويذكر التقرير تحقيقاً أجري أخيراً في الهند أفاد خلاله 41% من المشاركين بأنهم دفعوا رشوة لتزوير كشف استهلاكهم لهذا المورد.
بيد أن الحكم السليم لا يجب أن يشغل فقط البلدان النامية. "إذ أن إعصار كاترينا أظهر عجز بلد كالولايات المتحدة الأميركية عن مواجهة كارثة بهذا الحجم. كما أن مختلف المستويات الحكومية لم تتعاون فيما بينها بالشكل الكافي" استناداً إلى تحليل غوردون يانغ، منسق برنامج تقييم الموارد المائية في اليونسكو. وتكتسي هذه القضية أهمية بالغة متى علمنا أن الكوارث الطبيعية في تزايد مستمر وأن 90% منها مرتبطة بالمياه.



© اليونسكو/أليزون كلايزن
الري التقليدي في لوانغ بارابانغ (جمهورية لاو الشعبية الديموقراطية)

أسباب للأمل

لكن الأمل يبقى قائماً، والوعي يتنامى. وإذا كانت تحذيرات الخبراء قوبلت بنوع من عدم المبالاة في الماضي، فلقد طرأت بعض التغييرات على الوضع اليوم. ومنذ نهاية التسعينات، تتصدر مسألة المياه جدول الأعمال السياسي الدولي. كما أن اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1997 لقرار متعلق بالمياه سجل منعطفاً على هذا الصعيد. في موازاة ذلك، بات عدد متزايد من المواطنين يبدي اهتماماً بالمسألة ويحاول إحداث التغيير. وفي بلدان معينة من أميركا اللاتينية، كالأرجنتين وبوليفيا، أنتجت التجاوزات المرتبطة بنقل خدمات المياه إلى القطاع الخاص حركات احتجاج واسعة. فضلاً عن أن الأوروغواي أجرى استفتاء تقرر بنتيجته جعل المياه ملكاً عاماً مدرجاً في الدستور.
"في حوض النيل، شهدنا أيضاً ظهور مجموعات من المواطنين تنشط كثيراً بشأن القضايا المتعلقة بالمياه"، بحسب ريشارد ميغانك، مدير معهد اليونسكو للتعليم في مجال المياه في دلفت (هولندا). "إن مشاركة الناس حيوية جداً لإعداد أسلوب إدارة مستدام وفعال".



© اليونسكو/زيفاكو
امرأة تملأ الماء في بوليفيا

آفاق أخرى


كما أن بعض الممارسات الجيدة بدأت ترى النور، كالتقنية المستخدمة في مناطق معينة من الهند وتقضي بتحصيل مياه الأمطار بهدف حفظها في خزانات جوفية. ومن جهة ثانية، توجد آليات وساطة لحل النزاعات المرتبطة بهذا المورد الحيوي، كمحكمة فالنسيا، وهي أمثلة يمكن نشرها على نطاق أوسع.
في جانب آخر، يتم استكشاف الإمكانات القائمة بهدف تحسين تقنيات إمداد المياه. ويقضي أحدها بمواصلة سياسة إقامة السدود التي أطلقت في القرن الماضي. وثمة مشاريع كبرى قائمة كسد إنغا الكبير الذي يرتقب إنجازه في غضون عشرة أعوام في جمهورية الكونغو الديمقراطية. لكن هذه المشاريع تلقي بثقلها على النظم البيئية وتثير العديد من التحفظات. وهناك حل آخر بالنسبة إلى البلدان الساحلية الجافة يقضي بإزالة ملوحة مياه البحر. لكنها تقنية ما زالت مكلفة ويتم اعتمادها في عدد من بلدان الخليج العربية.
يبقى أن الحلول التقنية غير كافية. وفي المستقبل، يجب أن نتعلم أيضاً النظر إلى المياه بوصفها مورداً قابلاً للنفاد.

أنياس باردون