ISSN 1993-8616

آذار/مارس 2006 - حتى آخر قطرة


الأمير طلال يحذر: 13 دولة عربية في حالة الندرة المائية






© اليونسكو
لا يتوقف الأمير طلال بن عبد العزيز، رئيس برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية (أجفند) عن التحذير من حالة الشح في المياه التي تهدد عددا من الدول العربية، ولاسيما دول الخليج الست.

حوار أجراه: بسام منصور








• كنتم من أوائل الذين لفتوا الانتباه إلى المخاطر التي تتهدد المياه العذبة في الدول العربية عموماً وفي منطقة الخليج على وجه الخصوص، أين وصلت مسألة إدارة المياه في هذه المنطقة؟

- كثيراً ما أقول إن مشكلة المياه في المنطقة هي مشكلة وجود ، ولذلك فالتحدي الأكبر أمام الإنسان العربي والخليجي على وجه الخصوص ( حكاماً ومحكومين ) هو التعامل الراشد مع المشكلة. فالواقع الراهن بانعكاساته الخطيرة يستدعي التحرك السريع. فإذا قرأنا واقع المياه عربياً مقارنة بالمؤشر العالمي لـ (الفقر المائي) وندرته فإن العالم العربي يقع في منحدر خطير يفضي إلى هاوية. فوفق المؤشر فإن أي بلد يقل متوسط نصيب الفرد فيه من المياه سنوياً عن 1000 ـ 2000 متر مكعب هو بلد يعيش ندرة مائية. وبهذا المنظور الإحصائي فإن 13 بلداً عربياً يقع ضمن حزام شح الماء وندرته بينها مجموعة دول الخليج العربية.
• هل ترون الحلول المتاحة حالياً في مجال ترشيد استهلاك المياه قابلة للاستدامة؟
- الحل العملي في تقديرنا هو أن تتوجه الحكومات إلى اعتماد إدارة مائية واعية تفي متطلبات التعامل الراشد مع المشكلة لوقف الهدر وتضييق الفجوة القائمة بين الموارد المائية المتاحة والحاجات المستقبلية، وذلك من خلال ضبط الأنظمة والقوانين، لأن جانباً كبيراً من مشكلة المياه لدينا في المنطقة يعود إلى قصور إداري وخلل في الأنظمة والقوانين .
عموماً لقد بدأ توجه يؤسس لوعي خليجي للخروج من (المأزق المائي). وفي اعتقادنا هذا التحرك سيكون أكثر فعالية لو تم توظيف التعليم بصورة جيدة، وكذلك الاستفادة من القطاع الخاص والمجتمع المدني ليقوم بواجباته في مساعدة الحكومات العربية.
يجب تركيز الجهود العلمية في مؤسسة علمية خليجية تتضامن فيها الجامعات وتستفيد بتجارب الدول وخبرات المنظمات العالمية. وإيجاد مثل هذه المؤسسة سيجعل المعلومة الصحيحة متاحة ويسهم في إزالة المفارقات والتضارب في المواقف تجاه كثير من قراءات ( الواقع المائي )، مثل الخلاف الصارخ الذي دار حول مخزون المياه الجوفية.
وعلى دول العالم النامي التي تواجه أزمات نقص حادة في المياه أن تنتهج سياسات مبتكرة وغير تقليدية في مواجهة هذه الأزمة. ومن ذلك مثلاً، التفكير في إجراء دراسات حول نقل وتهجير السكان من المناطق التي تعاني نقصاً في المياه إلى تلك التي تتمتع بوفرة فيها داخل الدولة الواحدة، بل ويمكن أن يتم التفكير في نقل السكان من هذه الدولة إلى دولة أخرى مجاورة لا تواجه أزمة في المياه، مع اتخاذ كل الاستراتيجيات التي تسهل عملية النقل من الناحية السياسية." هذه الفكرة ما تزال مطروحة وعلى المعنيين بحث إمكانيات تطبيقها قطرياً وإقليما (عربياً وخليجياً).

• كيف ترون إقناع الناس بخطورة انخفاض مخزون المياه العذبة لتلجأ للترشيد؟

من الأهمية بمكان أن تستند الخطط والسياسات التي تتخذها الحكومات إلى عمق جماهيري يعززها ويوفر لها أرضية التطبيق. وهذا يعني وضع الإنسان العربي والخليجي أمام حقائق الواقع بوضوح. وهذا مسؤولية الإعلام، وأعني الإعلام الحر المستقل، لنشر ( ثقافة مائية ) بين قطاعات المواطنين تتضمن تأكيد أهمية ترشيد الاستخدام. والطرف الآخر المهم في موضوع الترشيد هو التعليم، فإن انعكاس هذا التوجه (الترشيدي) من خلال التعليم في ظل ما يجري من تطوير للمناهج سيهيئ الأجيال ويجعلها على وعي بالمستقبل الذي ينتظرها في حال التهاون مع مشكلة المياه.
• يجمع الباحثون على أن هنالك علاقة سببية بين الحكم الرشيد والإدارة الرشيدة للمياه، ما رأيكم بذلك؟

- الإصلاح كل متكامل فلا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي بمعزل عن إصلاح سياسي واجتماعي يتوازى معه لأن الاقتصاد انعكاس للسياسة وللبيئة الاجتماعية، وبالطبع إن السياسة والاقتصاد يلقيان بظلالهما على ما هو اجتماعي، وهكذا فالإصلاح ثلاثي الأبعاد ولا يتجزأ وإن كان قد يطبق تدريجياً وعلى مراحل. وعلى هذا الأساس فإن التعامل مع قضية المياه وفق أساليب حاسمة هو جزء من عملية الإصلاح. على سبيل المثال، إن الخلل المؤسسي والقصور في إدارة المياه يحتاج إلى عزيمة سياسية على أعلى المستويات، تضع على عاتقها تخصيص موارد كافية لإصلاح المؤسسات الوطنية استرشاداً بالمفاهيم الحديثة في هذا المجال. .
وعلى هذا الأساس فإن عمليات الإصلاح التي تشهدها دول المنطقة يمكن أن تسهم في الدفع الإيجابي لصالح قضية المياه، من خلال منظمات المجتمع المدني. لأن هذه المنظمات، يمكن أن تقود تنمية حقيقية لفكر يعزز رصيد الأجيال من المياه.

• عمل (أجفند) على العديد من البرامج الخاصة بالمياه. ما هي التحديات التي تعملون على تجاوزها لاسيما من خلال تعاونكم مع اليونسكو؟

- الإستراتيجية التنموية والتمويلية التي نتبعها في (أجفند) تعنى بالصحة والتعليم، والبناء المؤسسي، والتنمية الخاصة، والماء جزء أساسي في تنمية هذه القطاعات الأربعة. فمثلاً لا يمكننا وضع تصور متكامل للتعامل مع قضية الفقر دون أن نستصحب معنا مضاعفات شح المياه العذبة في أوساط الشرائح الفقيرة. ومن نفس زاوية الرؤية نجد أن مشاريع تنمية قطاع التعليم غير مفصولة عن معالجة مشكلة المياه، وإلا لما كانت اليونسكو في طليعة المنظمات المهمومة بهذه المشكلة.
لقد قطع (أجفند) خطوات أوسع في مسعاه لتركيز الاهتمام حول مشكلة المياه، خاصة باتجاه ترسيخ مفهوم (العلمية والمؤسسية)، الذي نحض عليه لمواجهة مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن ذلك تعاوننا مع البنك الدولي الذي أثمر عن إصدار أحدث التقارير العلمية الخاصة بالمياه في المنطقة، وهو (دراسة تقييم واقع المياه في دول الخليج العربية). وكما ورد في التقرير فإن متوسط نصيب الفرد من المياه سنوياً في دول الخليج العربية بين حوالي 60 إلى 370 مترا مكعبا. وما هو أكثر خطورة ـ وفق التقرير ـ هو أن هذا الرقم مرشح إلى أن يهبط إلى النصف بحلول عام 2030 م استناداً إلى معدلات النمو السكاني العالية في المنطقة، وتوقع زيادة السكان إلى 56 مليون نسمة.
وأما اليونسكو فالتعاون معها مستمر في مجال المياه وهو امتداد للعلاقات التنموية الناجحة مع هذه المنظمة المتفاعلة مع قضايا الإنسان. ولعل من أوضح صور التعاون اختيارهم رئيس (أجفند) مبعوثاً دولياً للمياه للعام 2003م، وهو المنصب الذي خصصته اليونسكو للفت الاهتمام لمشكلة المياه عالمياً.
ونحن في (أجفند) ندعم كل جهد تقوم به اليونسكو في مجال المياه ولذلك أعلنا في مدينة ديلفيت بهولندا، حيث عقد المؤتمر الدولي للمياه عن تأسيس صندوق خاص لدعم مشروعات اليونسكو في مجال المياه، وتبرع ( أجفند ) بمليون دولار للصندوق ، كما دعونا الحكومات والمنظمات والأفراد المهتمين بقضايا التنمية، لتقديم الدعم المادي اللازم لتعزيز جهود اليونسكو ونشاطاته.
إننا نتطلع إلى فكرة ـ كثيراً ما دعونا إليهاـ مطبقة في دول المنطقة، وهي ، تأسيس مجالس عليا للمياه تكون مهمتها القيام بتقويم دوري لحجم المخزون والمصادر الجديدة، ومراقبة المصادر الموجودة فعلاً. وتكون هذه الجهة بمثابة (بنك معلومات وطني) يجمع كل التقديرات حول الموارد المائية في الدولة، ويعنى بصنع السياسات والاستراتيجيات المختلفة في تنفيذ هذه السياسات. ونعتقد أن اليونسكو، بخبراتها وقدراتها المعرفية ـ يمكن أن تساعد في هذا الخصوص ، و(أجفند) من جانبه لن يألو جهداً في دعم الفكرة سواء بالتمويل أم بالاستشارة الفنية.