ISSN 1993-8616

آذار/مارس 2006 - حتى آخر قطرة


وعود نهر الكونغو





© شركة الكهرباء الوطنية لجمهورية الكونغو الديموقراطية، إنغا، وسيها السريع
يكنز نهر الكونغو، المعروف بأغزر دفق في العالم بعد نهر الأمازون، طاقات هائلة لتوليد الكهرباء، ستستفيد منها جمهورية الكونغو الديمقراطية. لا بل يُقدَّر أن هذه الطاقات من شأنها أن تفي باحتياجات كل القارة الأفريقية من الكهرباء. أما في الوقت الحاضر فإن معدل انتفاع سكان هذه البلاد بالكهرباء هو من أخفض ما في العالم من أمثاله.












حسبُ الواقف على الـ"بيتش"، رصيف المرفأ النهري في كينشاسا، العاصمة، أن يلقي نظرة على المسيل ليقتنع بقدرة النهر الذي يروي جمهورية الكونغو الديمقراطية. إذ إن السرعة التي تجرف بها مياه النهر المثقلة بالوحل جذوع الأشجار، ودوامات الزبد التي تظهر هنا وهناك منبئةً بالجنادل الأولى التي يندفق فيها التيار المنصرف بعد العاصمة، تعطي فكرة قوية عن عنفوان نهر الكونغو. وهذا الانطباع عن عنفوانه تعززه الأرقام: فمتوسِّط الدفق الذي يفوق 000 40 متر مكعَّب في الثانية، برهان على أن النهر يمثِّل رصيدا من الطاقة يفوق المعتاد. إذ يُقدَّر أنه يمثّل لوحده نحو 13 % من كامن الطاقة الكهرمائية في العالم، ومن شأنه أن يفي بمجمل احتياجات القارة الأفريقية من الكهرباء.
ذلك نظريا على الأقل. فالمفارقة القائمة هي أن استهلاك جمهورية الكونغو الديمقراطية من الكهرباء هو من أضعف ما يُشهَد في العالم: إذ إن معدل انتفاع الأسَر بالكهرباء لا يبلغ 6 %، أي على سوية بين أدنى السويّات في أفريقيا، جنوبَ الصحراء الكبرى. وهذا مع أن البنى التحتية موجودة. فقد كان من المفترض لمحطتي التوليد إنغا 1 وإنغا 2، المنشأتَيْن على المجرى السفلي للنهر، على مسافة نحو 400 كيلومتر من العاصمة، اللتين بدأ تشغيلهما عامي 1972 و 1982 على التوالي، كان من المفترض لهما أن توفِّرا الإنارة لقسم كبير من المنطقة. ولكن حتى اليوم، لا تزال المولِّدات المدارة بالبنزين تشكِّل المصدر الوحيد للكهرباء في الكثير من أرياف البلاد. وليس من النادر بعد هبوط الليل أن توجد بعض الأحياء الشعبية في كينشاسا غائصة في الظلام، ما يضطر سكان العاصمة هؤلاء إلى الاستنارة بأضواء الشموع والفوانيس.



© شركة الكهرباء الوطنية لجمهورية الكونغو الديموقراطية،لقطة من مصنع إنغا 1
منشآت عفا عنها الزمن

لا بد من الاعتراف أنه منذ البدء أُعطيت الأولوية لصناعة التعدين وأُغفِلت احتياجات الأسر. هذا ما يؤكده خبير لدى وزارة الطاقة، ريمون شيكورو، الذي يوضح أن "الطاقة الكهربائية إنما أُنتِجت لتيسير استغلال خامات المعادن وتحويلها".
يضاف إلى ذلك مشكلة أخرى، وهي أن هذه المنشآت قديمة وتعمل ببطء، تنقصها الصيانة نقصا حادا وقطع الغيار تكاد تكون معدمة، لذلك فهي عرضة للأعطال المتكررة. يعزو هذا التقصير البروفسور لوران كيتوكو، الأستاذ في جامعة كينشاسا ومدير التخطيط والتطوير في الشركة الوطنية للكهرباء، إلى كون الصناعة الكهرمائية "بالوعة للميزانية". إذ كان من المفترض إصلاح هذه المنشآت في تسعينيات القرن الماضي، لكن البلاد لم تتمكن من تحمُّل تكاليف الأشغال الإصلاحية التي قُدِّرت بنحو 15 مليون دولار لكل آلة توليد في المحطتين المذكورتين. ثم جاءت الحرب التي زعزعت البلاد في أواخر تلك التسعينيات، مصحوبة بتعليق التعاون الدولي مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، الأمر الذي زاد الوضع سوءا على سوء.

مشروع جبّار
عندما عاد السلام إلى البلاد واستُؤنِف التعاون الدولي، خرجت إلى النور مشاريع إنمائية جديدة. فبات من المقرر تجديد محطتي التوليد القائمتين وبناء سد ثالث، مشروع يمثل المرحلة الأخيرة من الخطة الإنمائية الموضوعة. سد الإنغا الكبير، سد ضخم سيستغلّ دفق النهر بأكمله، ويمكّن، بعد عشر سنوات، من تزويد قسم كبير من أفريقيا الجنوبية بالطاقة الكهربائية، لا بل وتزويد بعض بلدان جنوبي أوربا. أما تمويل هذا المشروع المقدرة تكلفته بزهاء 50 مليار دولار فـيُستمد ليس فقط من مقدِّمي الأموال (كالبنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية، وغير ذلك) بل أيضا من شُركاء داخل القطاع الخاص، مثل شركة كهرباء جنوب أفريقيا (Eskom). إن سد الإنغا الكبير، وهو بمثابة حجر الزاوية لإنتاج القارة الأفريقية من الكهرباء، من شأنه أن ينهض باقتصاد البلاد نهوضا فائقا، ولكن بشرط أن يجني من فوائده جميع السكان.
إلا أنه منذ اليوم بدأت ترتفع أصوات تطعن في هذا المشروع وتحذر من مساوئه، ولاسيما أصوات حماة البيئة الذين يخشَون "بين المحاذير الكبرى المجهولة عواقب بناء السد على صيد السمك وطبيعة النهر"، حسبما ترى، على سبيل المثال، الرابطة الأوروغواينية، المسمّاة بـ الحركة العالمية لأجل الغابات المطيرة (WRM)، وذلك في وثيقة لها صدرت في كانون الأول/ديسمبر 2003 . تخشى هذه الرابطة على وجه الخصوص أن تنقطع بسبب السد الجديد هجرة الأسماك أولا، وثانيا أن يتوقف بعد فترة ما انسياب حِمل الرُّسابة الذي هو عامل أساسي في توازن النظام الإيكولوجي المائي.

موييز موسانغانا - كينشاسا