ISSN 1993-8616

آذار/مارس - 2006 - حتى آخر قطرة


فالنسيا: ماء الحكمة





© اليونسكو/خوسيه جوردان
الجلسات تحصل في الخارج أمام الكاتدرائية

تشكل المياه عنصراً استراتيجياً في سهول فالنسيا الخصبة، التي تدعى "بستان" إسبانيا بأكملها. وتعقد في هذه المنطقة جلسة لمحكمة المياه يوم الخميس من كل أسبوع، منذ قرون عدة، بهدف تسوية النزاعات المرتبطة بهذا المورد الأساسي.









إنه يوم الخميس ظهراً في ساحة كاتدرائية فالنسيا. المؤمنون يحثون الخطى لحضور القداس. والسياح يقدمون بعض القوت لطيور الحمام أو يتصفحون قوائم المطاعم المجاورة. مع أول دقة جرس للكنيسة لإعلان حلول الظهر، يخرج مأمور قضائي من مبنى مجاور ويقبض على عصا طويلة يعلوها سهم مذهب. ثم يتبعه ثمانية رجال يرتدون قمصاناً سودا، وهو اللباس التقليدي للمزارعين في المنطقة. إنهم أعضاء محكمة المياه، المؤسسة التي ترقى إلى قرون عدة وتعقد اجتماعها يوم خميس من كل أسبوع في جلسات عامة. تحكم هذه الهيئة في الخلافات المتعلقة بتوزيع مياه القنوات الثماني التي تروي 000 17 هكتار من الأراضي وتشكل سهول منطقة فالنسيا الخصبة، حيث يتم إنتاج الحمضيات والأرز والعنب والدراق لإسبانيا بأكملها وللخارج.
عندما تدوي طرقة العصا على الأرض المصنوعة من حجر الصوان، يجلس الرجال الثمانية الشيّب على مقاعد من خشب وجلد مطرَّق أمام باب الرسل. هم ليسوا بقضاة، وإنما وكلاء انتخبوا ديمقراطياً لولاية عامين لتمثيل ممتلكي القنوات الثماني. ولم يتلقوا أي تدريب قانوني، لكن يُشترط أن يزرعوا أراضيهم بنفسهم، أن يقتاتوا منها وأن يتمتعوا بسمعة "الرجال النزهاء". وهم فضلاً عن ذلك ملمّون عن ظهر قلب بالدورات الزراعية وفترات الري، وضرورة توزيع المياه بشكل تناسبي، والسهر على صيانة القنوات التي تمر عبر أراضيهم كي تتمكن المياه من العبور نحو الحقول المجاورة التي يمتلكها المزارعون الآخرون. وكل هذه العناصر قد تشكل مصدر نزاعات بين المزارعين.



© اليونسكو/خوسيه جوردان
الجلسات عامة في الخارج وباللغة البلنسية

محكمة أصولها عند العرب
يقول فيشانتي بايكسولي باستور، وكيل قناة فافارا، إحدى أكبر قنوات منطقة فيغا: "آتي كل يوم خميس لأن هذا من واجبي"، مبدياً تعجبه لمجرد سؤالنا عن فائدة المحكمة. ويقول: "أنشئت المحكمة لإدانة الذين لا يقومون بدورهم بالشكل المناسب. فلا خيار أمامهم سوى احترام أحكامنا لأن مؤسستنا أنشئت بقرار من خليفة قرطبة الذي كان سيداً مهيباً ومرموقاً". إن العرب في زمن عبد الرحمن الثاني والحاكم الثاني هم الذين أنشأوا المحكمة وصمموا نظام ري السهول الخصبة – كما تشهد عليه تعابير السدّ azud والساقية acequia ووحدة قياس كميات متفاوتة من المياه في الثانية الواحدة، وأساليب توزيع المياه، والمبدأ القائل بأنه لا يمكن فصل المياه عن الأراضي. أما بالنسبة للمحكمة بشكلها الحالي، فلقد أنشئت حوالي عام 960 في عهد عبد الرحمن الثالث وأغلب الظن أنه كان يعقد جلساته أمام أبواب الجامع الكبير، الذي تحول اليوم إلى كاتدرائية.
تعقد جلسات المحكمة في الهواء الطلق وباللغة الفالنسية فقط. يمثل الجميع باسمهم الشخصي من دون محام ولا مدع عام ولا وثيقة خطية، حتى وإن كان ممكناً استدعاء الشهود أو إصدار أمر بالتفقد العيني للأراضي إن دعت الضرورة.









© اليونسكو/خوسيه جوردان
نظام الري يعود على زمن العرب

العدالة المنطق السليم والقانون
الأحكام الصادرة غير قابلة للاستئناف. ويقول بايكسولي بهذا الصدد: "إننا نمثل محكمة عليا وعلينا أن نحكم العقل والمنطق السليم". وحتى وإن كان يؤكد أن الأحكام التي أصدرها كانت عادلة دائماً، فإنه يأسف لإصداره حكما على أحد القديسين يوماً: "ما حصل فعلاً هو أن القناة الرئيسية كانت تصرف كميات كبرى من المياه وهذا ما أدى إلى إتلاف محصول أحد المزارعين الذي اتهم جاره بأنه ترك المياه تسيل أكثر من اللازم. كان يجب أن أحكم عليه بالتهمة الباطلة لكن نظراً إلى أنه خسر محصوله، فقد بدا لي أن مثل هذا الحكم سيكون قاسياً جداً. فما كان مني إلا أن حكمت على القديس بطرس لغزارة الأمطار، ثم كتبت له رسالة كي يصفح عني لأنني كاثوليكي".
وبالنسبة إلى ماريا خوسيه ماسكاريل نفارو، أستاذة القانون الإداري والإجراءات المدنية في جامعة فالنسيا، هناك عدة عناصر تفسر قيام المحكمة طوال هذه الفترة من الزمن في ظل احترام الأحكام الصادرة عنها بشكل تلقائي: "فهي، بالدرجة الأولى، لا تمارس سلطتها على قناة واحدة وإنما على مجمل القنوات. ثانياً، إنها لا تمثل سلطة عليا، وإنما هيئة ينتخب فيها الوكلاء ديمقراطياً من جانب الشعب. والأهم، من ذلك كله، هو أن المزارعين التقليديين ينظرون إلى محاكمتهم العلنية على أنه أمر يجلب لهم العار. ولهذا السبب، فهم يتوصلون عادة إلى اتفاقات مسبقة".
في هذه الأثناء، يشرح بايكسولي لكل من حوله المخاطر الحقيقية التي تحدق بالسهول الخصبة التي تحدّها منطقة باتت مكرسة للسياحة: "أترون ذلك؟ أولادنا ما عادوا يريدون زراعة الأرز ولا أشجار البرتقال، لأن المحاصيل باتت تجني القليل من المال للمزارعين. ومن يحقق أرباحاً فعلية، فهو الذي يزرع الأعمدة".

لوسيا إيغليزياس كونتز