العدد الثالث - 2007
المتحف غوصا

|
 © المتحف المغمور، الإسكندرية
|
بدأت فكرة مشاهدة حطام سفينة معينة في المكان الذي غرقت فيه تشق طريقها في الأذهان. ومن المتوقع أن يرى النور عدد من المتاحف المغمورة بالمياه في غضون أعوام قليلة.
"إن عرض الآثار في موقعها أمر مذهل لأنه يسمح بإبرازها في الظروف التي تمّ العثور عليها. وتتمثل مهمّتنا كعلماء آثار في حماية البقايا والمشاركة في عمليات البحث وإيصال معارفنا إلى الجمهور"، يوضح روبرت غرينييه، عالم الآثار المغمورة بالمياه .
ولنعد بالذاكرة إلى الوراء... إلى حزيران/يونيو 1758، وتحديداً إلى قلعة لويزبورغ الواقعة في جزيرة كاب بريتون، أو ما يُعرف حالياً بمقاطعة اسكتلندا الجديدة في كندا. القلعة مطوَّقة بالأسطول البريطاني.. وسفينتا حرب فرنسيّتان، هما "الحكيم" و"الشهير"، لم تقاوما الهجوم الذي تعرضتا له فغرقتا بما على متنهما من أناس وممتلكات.
منذ أعوام عدة، أصبح بإمكان الهواة مشاهدة حطام السفن الغارقة في أعماق البحار عن كثب شرط ارتداء بزة غطس. فالـ"حكيم" و"الشهير" يقبعان منذ قرنين ونصف من الزمن في قاع البحر، على مسافة عدة عشرات من الأمتار. وبالاستعانة بخريطة قابلة للقراءة تحت الماء، يمكن سلوك مجرى مائي محدد بمعيّة فرق مؤلفة من ستة إلى سبعة غطاسين تحت مراقبة دليل. ومن المعروف أن الحفاظ على آثار السفن في الأمكنة التي غرقت فيها يتيح تجنب عملية التأكسد والتآكل التي تتعرض لها عادةً عند استخراجها من المياه.
"إن عرض الآثار في موقعها أمر مذهل لأنه يسمح بإبرازها في الظروف التي تمّ العثور عليها. وتتمثل مهمّتنا كعلماء آثار في حماية البقايا والمشاركة في عمليات البحث وإيصال معارفنا إلى الجمهور"، يوضح روبرت غرينييه، عالم الآثار المغمورة بالمياه ورئيس اللجنة العلمية الدولية للتراث الثقافي المغمور بالمياه التابعة للمجلس الدولي للمواقع والآثار "إيكوموس".
رغم ذلك، فإن هذا النوع من الزيارات لا يتوجه إلا إلى عدد محصور من الأشخاص. ذلك أن إبقاء الآثار في بيئتها مع إتاحة مشاهدتها من جانب جمهور عريض يقتضي إقامة مبانٍ تحت الماء. وإذا كانت الفكرة تبدو غريبة نوعاً ما، إلا أن المباني المائية موجودة فعلاً، كما هي حال المرصد القائم في عمق البحر الأحمر في إيلات (إسرائيل). وبالفعل، يتيح هذا المبنى الدائري المزجَّج مراقبة الحيوانات والنباتات البحرية مباشرةً. كما أن تجارب مماثلة قد أطلقت في هاواي مع إنشاء مركز محيط ماوي. لكن في هذه الحالة أيضاً، فإن المرصد المغمور بالبيئة البحرية أشبه بحوض طبيعي كبير.
.

|
 ©المتحف المغمور، الإسكندرية
|
تجربة لا يمكن الاستعاضة عنها
أما عرض آثار السفن الشراعية في بيئتها البحرية على جمهور واسع، فتلك خطوة لم يتم اجتيازها بعد. لكن ما هي، تحديداً، أهمية بناء متحف مغمور بالمياه؟ وهل أن تلك البنية تضيف شيئاً ما إلى الزيارة؟ يبدي المهندس المعماري الفرنسي جاك روجري استغرابه إزاء هذا السؤال، مشيراً إلى أن "ما من شيء يمكن أن يحلّ محل الأحاسيس التي تنتاب المرء لدى تواجده في موقع أثري شهد أحداثاً تاريخية معينة. كما أن الصلة القائمة بالمياه تختلف تماماً عن تلك التي قد نشعر بها على اليابسة. إنها تجربة لا تضاهيها أي تجربة أخرى". وهذا ما ينوي إثباته مع المشروع الذي صممه لإنشاء متحف مغمور بالمياه في الإسكندرية.
صُمِّم المتحف لإيواء الكنوز التي عُثر عليها خلال الأعوام القليلة الماضية في خليج الإسكندرية. وإذا ما رأى النور يوماً، فسيتيح للزائر الغوص في عمق عالم قديم على مقربة من مكتبة الإسكندرية. ومن المتوقع أن يتألف من قسمين: ساحة عامة ناتئة موصولة باليابسة، تأوي الجزء الكلاسيكي من المتحف، وتضم أنشطة الخزن والبحث ومعالجة الآثار، فيما تحدّ مساحة القسم الثاني، المغمور بالمياه، أربعة أشرعة صاعدة من المياه. وانطلاقاً من سطح البحر، يسلك الزوّار رواقاً تحت الماء قبل أن يصلوا إلى حلقة مؤلفة من صالات عرض مصنَّفة تبعاً للمواضيع، وتضمّ قطعاً مستخرَجة من المياه. كما تقع في وسط الحلقة ساحة داخلية مائية تعرض قطعاً لا يمكن استخراجها من الماء.
يشرح جاك روجري مشروعه وفي يده رسم توضيحي. بضربة قلم، يظهر على الورق البناء العصري. "هنا يوجد الأنبوب الرئيسي الذي ستدخل عبره مياه مصفَّاة بنسبة 50% كي لا يتم القضاء على سحر المكان". وانطلاقاً من المتحف، سيكون بالإمكان أيضاً رؤية علماء الآثار وهم يزاولون عملهم في هذا الموقع الأثري الذي يُعدّ من أكثر المواقع غنىً في العالم. "يجب أن نتخيّل الملكة كليوبترا في هذا المكان. نحن لا نقوم بإعادة بناء مكان معين وإنما نتواجد في المكان عينه الذي وقعت فيه هذه المغامرة الإنسانية".

|
 © المتحف المغمور، الإسكندرية
|
لقد كانت الفكرة أقرب إلى الخيال قبل أعوام معدودة، لكن إنشاء أمكنة مغمورة بالمياه وموجهة إلى الجمهور بدأت تشق طريقها بثبات. فلقد كشف المهندس المعماري الياباني تاداو أندو النقاب أخيراً عن الخطوط العريضة لمتحف بحري سيرى النور عام 2012 في جزيرة السعديات في الإمارات العربية المتحدة. وسيكرَّس للتقاليد البحرية في منطقة الخليج، لا سيما تلك التي طبعت صناعتي اللؤلؤ والصيد، كما أنه سيشمل جزءاً واقعاً تحت الماء. هنا أيضاً، يطرح السؤال نفسه: لمَ البناء تحت المياه؟ "أراد تاداو أندو إنشاء مبنى يمثل تجربة هندسية بحدّ ذاته. إنها طريقة لإقامة صلة بين التقاليد البحرية المعتمدة سابقاً والمستقبل"، يوضح إيجي هاياكاوا، من مكتب هندسة السيد أندو.
من هذا المنطلق، قد ترى النور متاحف أخرى تحت الماء. ويحلم جاك روجري بمكان في عمق المحيط الهادي يتيح الوصول إلى حطام سفن غرقت خلال الحرب العالمية الثانية، لا بل بمتحف مكرَّس لبقايا سفينة التيتانيك. بيد أن ثمن هذا الحلم باهظ، لأن البناء تحت الماء يكلف حوالي ضعفي مصاريف البناء على اليابسة أو أكثر. وهي حجة طالما دفعت بمموِّلي المشاريع إلى التريث.
أنياس باردون