
|

© منشورات صغر
جلدة آخر كتاب لـ"تشيكايا أو تامسي" (1987).
|
احتفالاً بذكرى زميلنا الذي فارقنا قبل الأوان في 22 نيسان/أبريل 1988، ننشر هذه المقتطفات من مقابلة أجراها معه الصحافي الفرنسي برنار مانييه بتاريخ 21 كانون الأول/ديسمبر 1979، وكان في ذلك الحين أخصائي برامج في قطاع التربية في اليونسكو.
مضى خمسة وعشرون عاماً على نشر مجموعتكم الشعرية الأولى (الدم الفاسد، باريس، ب. ج. أوزوالد، 1955). ما هي نظرتكم إلى الحركة الإبداعية في مجال الأدب الأفريقي خلال ربع القرن هذا؟
من الصعب علي الحديث عن القارة الإفريقية ككل، لكنني سأقول وجهة نظري فيما يتعلق ببلادي.
لقد شهد ربع القرن الماضي بروز عدد كبير من المؤلفين الذين نشروا نتاجهم إما في الفترة التي أعقبت الاستقلال مباشرة، وإما في المرحلة التي تلتها. في البداية، كان الشعر يمثل النوع الأدبي المفضَّل. وقد اختار كاتب واحد فقط الأسلوب النثري التقليدي، ويُدعى جان مالونغا. فبين عامي 1950 و1960، انطلق تيار إبداعي جديد مع جان مالونغا، وسيندا مارسيال، وجئت بعدهما. في عام 1960، برز أدباء جدد من أمثال غي مينغا، وسيلفان بيمبا، وهنري لوبيز، وتيوفيل أوبنغا، إلخ. تكاثرت الأسماء، وكان ذلك أمراً مدهشاً. فبالنسبة إلى عدد السكان، كان عدد الكتّاب كبيراً جداً.
وقد نشر سوني لابو تانسي أخيراً رواية جميلة [حياة ونصف، باريس، منشورات "سوي"، 1979]. كما أن جيلاً جديداً ينتظر اليوم نشر أعماله، وفي جعبته عدد من الأعمال الجيدة. الحصيلة إيجابية عموماً. إذ أن التيار الذي ينتمي إليه هؤلاء الكتّاب تجاوز حقبة الزنوجة. إنه عصر الاتكال على الذات وإلقاء نظرة ثاقبة على البلاد من الداخل.
كيف تنظرون إلى مساركم خلال تلك الفترة؟
تخللت هذا المسار محطات عدة نشرت فيها كتبي. ولعناوين هذه الكتب دلالات عدة. ففي عام 1955، كانت مجموعة "الدم الفاسد" تعكس حالاً من القلق. وفي عام 1957، صدر كتاب "نار الأدغال" الذي كان بمثابة نيران التعويذة. وفي عام 1960، نشِر كتاب "على مضض"، وهو يتناول مفهوم التسوية الذي لا يمثل فعلاً جباناً وإنما القبول بمختلف الأجزاء التي تكوِّن الذات دون إنكار أي منها. وفي عام 1962، صدر كتاب تاريخي موجز، وفيه حصيلة لمرحلة دقيقة ومفصلية.
أما بالنسبة إلى المسرح، سواء مع مسرحية "الزولو" [1977] أو "الحظ السعيد للمارشال نيكون نيكو" [1979]، فإنهما إفصاح عن تأملات بشأن السلطة، والعلاقة مع السلطة وبناء الصرح الاجتماعي.

|

© اليونسكو / فيونا رايان
الطلاء الفني على الرمال الافريقي.
|
في أعمالكم موضوعان بارزان: المرأة والكونغو. ومن خلال هذين الموضوعين، يشعر القارئ بنوعين من الألم والمعاناة، ونوعين من التمرد. ألا تعتبرون الكونغو والمرأة جزءاً من ذاتكم؟
إذا استطعت نقل هذا الإحساس للقارئ، سأكون راضياً ومسروراً تماماً. وبالنسبة للكونغو، لقد تم الاعتراف بذلك فعلاً. أما بالنسبة للمرأة، فغالباً ما يُلصق بي قناع كريه كمبغِض للنساء. ولا أعرف سبباً لذلك.
سأروي لكم هذه الطرفة. لقد كان عنوان محاضرتي الأولى، قبل فترة بعيدة: المرأة، والأم وأرض الأمهات (وليس أرض الآباء). فالسيف هو أرض الآباء. أما أرض الأمهات، فهو الحب. ومجموعتي الشعرية التي تحمل عنوان "الجوف" [1964] تمثل عودة إلى الحب الأمومي.
كما أن الكونغو يجسّد البحث عن الهوية، إنها الدائرة التي أسعى فيها إلى إيجاد نفسي.
ألا يشكل البحث عن الهوية بحثاً عن بنية سياسية أيضاً؟
حتى أن البحث عما هو بشري هو بحث سياسي، لأن ما هو بشري يقوم على أساس الجماعة وغريزة التجمّع. والميزة الأساسية لطبيعة الجماعة هي الألفة والمخالطة، أي رفض إنكار الآخر.
الكونغو إذن قريب جداً منكم كما يبدو من خلال أعمالكم. لكنكم تعيشون في باريس. كيف تتعايشون مع هذا البعد؟
هل تعلمون أننا ندرك الأمور من بعيد بشكل أوضح؟ ولا شك أن دون هذه المسافة، لما استطعت رؤية الأمور كما أراها، جليَّة، اليوم. صحيح أنني أرى، وأتبيَّن، ويحلو لي أن أعانق ما أراه. وهنا تبدأ المعاناة. أتمنى، كل يوم، أن أعود. لكن خيبة الأمل تنتابني في كل مرة أعود فيها لأن الحلم يتخطى الواقع دائماً.
في أعمالكم، يشكل السيد المسيح شخصية هامة. هل أنه يمثل رمزاً ما؟
نعم، إنه رمز متعدد الأبعاد. رمز التآخي المعلن وغير المطبَّق من جانب الآخرين. كما يجسد السيد المسيح أول الأشخاص الخاضعين للاستعمار.
ألم يُستخدم من جانب أول المستعمِرين أيضاً؟
لقد استخدِم لفرض حال الاستعمار. الأخوة شكل من أشكال الاستعمار أيضاً. فإذا أرغمتم أحداً على أن يصبح صديقاً لكم، تجعلون منه عبداً. وإذا احترمتم حرية الآخر وخياره، لا يعود هناك من إكراه ولا استعباد، وإنما تجسيد للإخاء الحقيقي.
في قصائدكم تعبير عن الألم والتمرد، وإنما عن السماح أيضاً.
أقول: "لن أرى دمي على أيديهم بعد الآن. أنسى أن أكون زنجياً لأغفر للعالم ما فعله". وقد كتبت هذا البيت بعدما كنت أعمل صحافياً في الخمسينات. وكان لدي صديقة فرنسية تعمل صحافية أيضاً، ومجال اختصاصها السياسة. واعتادت، في كل مرة كانت أفريقيا تشهد حدثاً سياسياً بارزاً، أن تسألني عن رأيي. كنت عديم التأثر، وبعيداً عن الأوهام، وأكاد أقول متحرراً من الأوهام، ولا مبالياً. وفي أحد الأيام، قالت لي: "جيرالد، يبدو أنك نسيت أنك زنجي!" فأجبتها قائلاً: "لو كان علي أن أتذكر أنني زنجي في كل لحظة، لما استطعت النظر إليك وجهاً لوجه". هذا ما دفعني إلى كتابة هذا البيت الشعري.
فإذا كان علي أن أفكر باستمرار بملايين الزنوج الذين ابتلعهم المحيط الأطلسي، وبأولئك الذين عانوا الويلات في "العالم الجديد"، وجميع الذين سالت دماؤهم حتى جفت في القارة، لن أستطيع النوم أبداً.
هل أن السماح يعني، بالضرورة، النسيان؟
لا شك أن مفهوم السماح ينطوي على مفهوم النسيان. فإذا لم أستطع النسيان، لن أتمكن من منح السماح على نحو سليم، إذ سأكون مسكوناً دائماً بهاجس الثأر.
تستخدمون الدعابة دائماً. الدعابة التي تخفف من الألم والدعابة التي تزعج وتضايق في آن...
نعم. وأقول: "دعابتي تقتل". في كتاب "الحظ السعيد للمارشال نيكون نيكو"، إنها دعابة تبعد الغم وتريح الذهن وتحرر النفس. إذ أن روح النكتة تصون الإنسان وتشعره بالصفاء... فتصبح الأمور نسبية، مما يسهم، عن حق، في التخفيف من حدة الغضب، والعودة إلى القيم الأساسية واستجماع القوة المعنوية.
الدعابة سلاحنا جميعاً، نحن الضعفاء. الضعفاء يهزأون من أنفسهم ليبثوا الحيرة في نفوس الخصوم. هذا ما كان يردده لي الكاتب الفرنسي أندريه شوارزبارت الذي أجريت معه حواراً عند فوزه بجائزة "غونكور" الأدبية الفرنسية [1959]. الدعابة سلاح.
مثل الشعر...
ممكن...
ألا تعتبرون نفسكم مناضلاً؟
أعتبر نفسي ملتزماً. ولا أعتقد أنه يوجد نتاج أدبي غير ملتزم. أما المعنى الذي ينطوي عليه هذا الالتزام، فهو أن كل ما يُقال للآخر يحمل رسالة، وهذه الرسالة تحمل حداً أدنى من الفعالية. الدعابة تسهم في النضال، والشعر أيضاً. وكل نشاط نابع من إحساس بالذات هو نشاط نضالي.
العودة إلى الصفحة الرئيسية