ISSN 1993-8616

2008 - العدد الثالث


لاجئو الغد: نازحون بسبب تغير المناخ





© فرانشيسكو فيريرا ديه كامبوس (البرازيل)
لوحة أحد الفائزين بمسابقة النشء للسنة الدلية لكوكب الأرض

يتعين على جميع البلدان – الغنية والفقيرة - الجلوس حول طاولة واحدة لإيجاد حل للمشكلة. هذا ما صرّح به الأخصائي الإيطالي في علم المناخ، فيليبو جيورجي، عضو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2007). كما يدير فيليبو جيورجي شعبة فيزياء الكواكب في مركز عبد السلام الدولي للفيزياء النظرية التابع لليونسكو (ترييستا، إيطاليا).



حاورته ياسمينة شوبوفا

كشف التقرير الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، الصادر بتاريخ 2 شباط/فبراير 2007، أن غالبية التغيرات المناخية المسجلة على مدى الأعوام الخمسين الماضية تعزى إلى النشاط البشري. وقد أعلنتم أن أحد التحديات الكبرى يتمثل اليوم في "إدارة ما يصعب تفاديه وتفادي ما تصعب إدارته". ماذا تقصدون بذلك؟

لا مفر من مواجهة التغيرات المناخية المنسوبة إلى النشاط البشري. فلنكن واقعيين. نحن لسنا قادرين، هكذا في لحظة، على الحد جذرياً من انبعاثات الغاز وتثبيت مستويات تركزه الحالية، بل وخفضها أيضاً. إذ يلزمنا اعتماد إجراءات تكييف لهذه الغاية. والأهم من ذلك هو تثبيت تركز غاز الدفيئة تحت المستوى الخطير الذي يؤثر بحدة على مناخ كوكبنا، ويخلف آثاراً جسيمة على المجتمعات البشرية والنظم الإيكولوجية الطبيعية، لا سيما بالنسبة للأجيال الصاعدة التي سترث البيئة التي نتركها لها.

وعلاوة على ذلك، يمكن لغاز الدفيئة أن يبقى لزمن طويل في الغلاف الجوي. وبالنظر إلى جمود النظام المناخي، فإن ما نفعله اليوم سينتج آثاراً بعد أعوام عديدة. ولذا، يتحتم علينا التحرك على نحو عاجل. ولا بد من أن نتخذ فوراً إجراءات جذرية وحاسمة للحد من انبعاثات الغاز على مدى العقود المقبلة. ويتعين أيضاً تنفيذ إجراءات التكييف والتخفيف معاً إذ لا يسع للأولى أن تحل في محل الثانية.

ورد في التقرير الرابع أن "احترار النظام المناخي لا لبس فيه ". هل أن هذا "الحكم" أسهم في تطور العقليات بشأن مسؤوليتنا؟ وهل لاحظتم تغيرات في السياسات البيئية خلال العام المنصرم؟

أعتقد أن هذه الجملة أحدثت وقعاً حاسماً حقاً. فللمرة الأولى، أكد المجتمع العلمي بثقة أن مشكلة الاحترار المناخي العالمي مطروحة فعلاً.

كما أن الجمهور بدأ بإلقاء نظرة مختلفة كلياً على الوضع، بالأخص في الولايات المتحدة وأستراليا، وكذلك في بلدان أخرى كالصين والهند. أما في أوروبا، فإننا نعي المشكلة تماماً منذ أعوام عدة، حتى وإن كانت درجة الوعي تبدو أكبر اليوم. وفي الواقع أن عدة عوامل أسهمت في تطور إدراك الجمهور.

فلقد أتاحت موجة الحر الشديد التي ضربت أوروبا في عام 2003 وإعصار كاترينا [الولايات المتحدة الأمريكية، 2005] للناس اكتشاف كم أن البلدان، حتى الصناعية منها، تبقى ضعيفة أمام الأحداث المناخية، بغضّ النظر عما إذا كانت هذه الأحداث وثيقة الارتباط بالتغير المناخي أم لا. كما ركز تقرير شتيرن [استعراض شتيرن بشأن الآثار الاقتصادية لتغير المناخ، 2006] على المبلغ الباهظ الذي قد ينتج عن التغير المناخي. وبالإضافة إلى ذلك، حظيت هذه المشكلة بتغطية إعلامية مكثفة. فأصبح الجمهور الواسع على بيِّنة منها، لا سيما من خلال فيلم "بعد يوم غد" [رولاند إميريش، 2004] وكتاب "حالة طوارئ" لمايكل كريشتون [2005]، وبالتأكيد، فيلم آل غور "حقيقة مزعجة" [2006]. ثم صدر تقريرنا ليأتي بضمانة علمية إلى جميع هذه الرسائل.



© اليونسكو/إن.أو.بي.دي. إيسيدرو ماغانا
فياضانات في نيو أورلينز بعض إعصار كاترينا في أيلول/سبتمبر 2005.

هل يؤثر التغيير المناخي على الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة؟

لن تظهر هذه آثار التغير المناخي بالحدة نفسها في جميع البلدان. فتجد البلدان النامية نفسها في موضع أضعف لأنها تفتقر للإمكانات اللازمة لمواجهة التغير المناخي. وقد يتفاقم الاختلال في التوازن الذي نشهده اليوم على نحو خطير بين البلدان، مما يؤجج التوترات.

وفي حالات معينة، قد تتسبب التطورات المتوقعة كارتفاع مستوى سطح البحر وانتشار الجفاف في بروز موجات كبرى لهجرة السكان – فلقد بدأ الحديث من الآن عن اللاجئين بسبب تغير المناخ – ولا ريب أن هذا الأمر سيزيد من حدة التوترات.

من جهة ثانية، فإن إيجاد حل لمشكلة التغير المناخي يستوجب جهداً غير مسبوق للتعاون على النطاق العالمي. وعلينا أن نرى في ذلك فرصة للتواصل الدولي ولتنفيذ نشاط مدروس ومتفق عليه. وسوف يتعين على جميع البلدان الجلوس حول طاولة واحدة لإيجاد حل للمشكلة.


تبعاً لـ"مؤشر التغيرات المناخية" الذي نشرتموه في أيلول/سبتمبر 2006، تشكل منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق شمال شرق أوروبا أبرز "البقاع الملتهبة". لماذا؟

يستند هذا المؤشر إلى التغيرات القائمة في معدلات وتقلبات درجات الحرارة وسقوط الأمطار. وقد اتضح أن أكثر المناطق تعرضاً للخطر هي منطقة البحر الأبيض المتوسط ومناطق شمال شرق أوروبا، ولكن ليس للأسباب نفسها.

ففي منطقة البحر الأبيض المتوسط، كشف وضع النماذج المناخية عن مشكلتين رئيسيتين هما اتساع نطاق الاحترار والتراجع الجلي في سقوط الأمطار خلال فصلي الربيع والصيف. وتعود هاتان الظاهرتان إلى انتقال مسار العواصف شمالاً (تنتقل العواصف أكثر فأكثر باتجاه شمال البحر الأبيض المتوسط) وازدياد جفاف التربة وارتفاع حرارة الهواء بفعل تراجع هطول الأمطار. كما أن النماذج تتكهن بزيادة هامة في تقلبات درجات الحرارة خلال المواسم الدافئة، مما يعني أن فصول الصيف الشديدة الحر والجفاف (أكثر حراً وجفافاً من صيف عام 2003) سوف تتكرر بتواتر أكبر. ومن شأن هذه الظواهر مجتمعة أن تقود إلى جفاف كبير، بل وإلى التصحر أيضاً، لا سيما في البلدان الواقعة في جنوب المنطقة.

أما في مناطق شمال شرق أوروبا، فالنتيجة الرئيسية هي تزايد قوي في تساقط الأمطار. وهذا يرتبط مباشرة بازدياد تواتر وكثافة العواصف، وكلها ظروف تعزز بروز الفيضانات وارتفاع مستوى درجات الحرارة في فصل الشتاء. كما تشكل هذه الظاهرة نتيجة لذوبان الثلوج، الذي يحدّ بدوره عاكسية السطح [النسبة بين الطاقة المنعكسة والساقطة] ويقف وراء زيادة امتصاص الإشعاعات الشمسية، ويزيد من حدة الاحترار.




© ماسيمو سيلفانو، المركز الدولي للفيزياء النظرية، أرشيف الصور.
فيليبو جيورجي

يبدو أنكم مستاؤون جداً للتغيرات المعتمدة في أساليب استغلال الأراضي.

تكمن المشكلة في عدم مراعاة النماذج القائمة حالياً للتطور الحاصل في استغلال الأراضي، علماً أن هذا العامل يطرح أسئلة ما زالت دون إجابة في مناطق معينة، ويجب أن تكون استجابتنا أفضل في المستقبل. فالبيانات المتوفرة لدينا تشير إلى أن آثار التطور في استغلال الأراضي يمكن أن تكون أكثر خطورة بعد من الاحترار الناجم عن غاز الدفيئة، وبالأخص في مناطق معينة كغرب أفريقيا على سبيل المثال.

لكن آثار التطور في استغلال الأراضي تبقى ثانوية على النطاق العالمي قياساً بنتائج انبعاثات غاز الدفيئة. كما اعتقد أن آثار الرذاذ والغبار في الغلاف الجوي يمكن أن تكون خطيرة على الصعيد الإقليمي، ويجب إيلاء اهتمام أكبر بهذه المشكلة في المستقبل.





سؤال شخصي في الختام. عندما أعلنت مؤسسة نوبل عن أسماء الفائزين في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2007، قلتم للصحافي الإيطالي فابيو باغان: "ما هو حلمي؟ أن أذهب إلى أوسلو لحضور حفل تسليم جائزة نوبل". هل حققتم هذا الحلم؟

لم أتمكن من حضور الحفل. فالوفد كان محدوداً نسبياً ولم يضم سوى 25 شخصاً، ولم يبقَ مجال إلا لمشاركة أربعة أشخاص عند رمي القرعة الذي شارك فيه مئات عدة من أعضاء مكتب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والباحثين. لسوء حظي، لم يظهر اسمي عند رمي القرعة. ولربما أتمكن من حضور الحفل في المرة المقبلة!

العودة إلى الصفحة الرئيسية