ISSN 1993-8616

2008 - العدد الثالث


"شاطئ "إنسان العصر الحجري






© اليونسكو/ بيتر كولز
مشهد لشاطئ "تورباي". مستوى الشاطئ الصخري مرتفع فيظهر علامات التغير السابقة لمستوى البحر.

قبل أغاتا كريستي وتشارلز داروين، مرّ رجل نياندرتال بشاطئ الريفييرا الإنجليزي! وكم من المشاهير الآخرين تعاقبوا على هذه الروضة الجيولوجية التي أنشئت حديثاً في المملكة المتحدة... أول روضة من نوعها في العالم تقع بأكملها ضمن منطقة حضرية. كما أنها تنتمي إلى الشبكة العالمية للرياض الجيولوجية التي أطلقت في عام 2004 إلى جانب مجموعة من الوسائل المعدَّة تحت رعاية اليونسكو لصون بيئتنا.




الشبكة العالمية للرياض الجيولوجية
أنشئت الشبكة العالمية للرياض الجيولوجية الوطنية عام 2004 تحت رعاية اليونسكو، وتعتبَر ركيزة للتعاون بين الأخصائيين وسائر الجهات الفاعلة في مجال التراث الجيولوجي.
(التفاصيل)

تقع منطقة "تورباي" – المعروفة بـ"الريفييرا الإنجليزية" – على الساحل الجنوبي لمقاطعة "ديفونشاير". ترسم قوساً معقوفاً من الشواطئ ذات الرمال الوردية والصخور الحمراء الشاهقة، وتشكل صلة الوصل بين بلدات ثلاث تختلف اختلافاً مدهشاً من حيث الشكل. ففي الطرف الجنوبي للخليج الصغير، حافظت بلدة "بريكسهام" التي تؤوي أكبر مركز لصيد الأسماك في المملكة المتحدة على طابع قديم، مع بيوتها الريفية الأنيقة وحوانيتها المتجمِّعة تحت صخور "بيري هيد" الوعرة. قبالتها تماماً، تطالعك بلدة "توركاي" بأناقتها الفيكتورية وطابعها الحضري الصريح. هنا، شيِّدت المباني على كل قطعة أرض، وعلى التلال أيضاً رغم انحدارها الشديد ووعورتها، دون الاكتراث بالتناغم المعماري. وفي الوسط، تقع بلدة "باينتون" بمروجها الخضراء الشاسعة وأشجار النخيل و"نادي الجنتلمان" القديم. "باينتون" أشبه بسيدة متقدمة في السن، كانت خارقة الجمال في شبابها، وبات لا يمكنها اليوم الاستغناء عن مساحيق التجميل والبودرة.

وتبعاً للمؤرخ المحلي جون ريسدون، فإن "البلدات الرئيسية الثلاث في منطقة "تورباي" – "توركاي" و"باينتون" و"بريكسهام"- تدين بكل شيء، وحتى بوجودها، للجيولوجيا التي زودتها بشواطئها وموانئها المحمية من الرياح".

وعندما نرى الأطفال وهم يتخبطون في الماء، والبعض منهم يحمل دلواً ورفشاً في أيام الصيف الحارة، يصعب علينا تخيّل أن هذا المكان كان في البداية صحراء استوائية قاحلة، أو أن المرجان نما بكثرة في المياه المدارية.

وليس من السهل كذلك تصوّر وصول البشر الأوائل إلى المكان، بعد مئات ملايين السنين، وهم يطاردون الماموث [فيل عظيم منقرض] حتى قمم الصخور الشاهقة، أو يتزاحمون على أكل لحم الضباع.

لكن إذا جلت في المنطقة بصحبة مرشد، فسوف يشير لك إلى جميع الطبقات الجيولوجية المتراكمة على مرّ الزمن في هذا الموقع الأثري الذي انضم في أيلول/سبتمبر الماضي إلى الشبكة العالمية للرياض الجيولوجية الوطنية التي أطلقت تحت رعاية اليونسكو.

تمثل الرياض الوطنية مفهوماً جديداً. وتوضح لنا مارغريت باتزاك التي تعمل في شعبة علوم الأرض في اليونسكو، أن "الثقافة والتنوع البيولوجي هما حالياً محور برامج هامة ترمي إلى الاعتراف بأهميتهما وضمان حمايتهما. وكان تراثنا الجيولوجي مهملاً جداً حتى عام 2004، إلى حين إطلاق مبادرة الحدائق الجيولوجية". ومنذ إقامة الشبكة، أثمرت الرياض الجيولوجية البالغ عددها حالياً 53 رياض عن تعاون لافت بين القطاع العام والخاص والمجتمعات العلمية بشأن عدد كبير من المشاريع الابتكارية على النطاق المحلي والوطني.



© اليونسكو/ بيتر كولز
نيك بو، مدير عام "كهف كانتس"، الذي يرمم جمجمة رجل نياندرتال.

مشهد يليق بروايات أغاتا كريستي

لا ريب أن أفضل مكان لتشرّب التاريخ الاستثنائي للروضة الجيولوجية "الريفييرا الإنجليزية" هو كهف "كانتس" الذي بات اليوم مطموراً تحت المنازل والدكاكين والفنادق المنثورة على تلال "توركاي"، في المنطقة الشمالية الصخرية لبلدة "تورباي".

فقبل 375 مليون عام، كان هذا الجزء من إنجلترا قابعاً تحت الماء ويقع إلى جنوب خط الاستواء. ثم دفعته الحركات التكتونية للقشرة الأرضية شمالاً مع تشكّل القارات الحالية. وفي نهاية سلسلة العصور الجليدية والحقبات الأكثر اعتدالاً بين العصور الجليدية [التي توالت على مدى مليوني عام ونصف]، تشكلت التجويفات، موفرة المخابئ للحيوانات والبشر الأوائل.

"كان الكهف مأهولاً بالبشر دون انقطاع قبل نصف مليون عام"، يقول نيك بو، مدير عام "كهف كانتس" وابن حفيد فرانسيس بو الذي اشترى الكهف في عام 1903. كما أن جورج سميردون، والد زوجة فرانسيس، كان أحد أول الحفارين المشاركين في مشروع الحفريات الأثرية بقيادة ويليام بنجلي في نهاية عام 1800. وعلى ضوء الشموع، جهد بنجلي، الذي كان يعمل معلماً في مدينة صغيرة في مقاطعة "كورنوال"، في إزالة الأنقاض كلياً عن أرض الكهف التي كانت مليئة بركام العصور الجليدية المتعاقبة، في دلالة واضحة على إقامة البشر فيها قبل نحو 000 500 عام. واكتشف بذلك عظاماً لدب وأسد الكهوف، والماموث ووحيد القرن الأصوف والضبع.

وكان تشارلز داروين، الذي صاغ الفصول الأخيرة من كتاب "أصل الأنواع" على شاطئ "ميدفوت" في "توركاي"، يراسل بنجلي بانتظام، بعدما أحدثت اكتشافات هذا الأخير هزة في المجتمع العلمي التقليدي في لندن لالتزامه بنظرية الكتاب المقدس القائلة إن الله خلق الإنسان قبل 000 6 عام.

وتشكل قطعة فك بشرية جرى اكتشافها في الكهف أقدم أثر للإنسان الحديث في أوروبا (الجنس البشري). وقد أفادت تقديرات أخيراً بأنها ترقى إلى ما يتراوح بين 35 و000 40 عام. كما أن متحف التاريخ الطبيعي البريطاني يدرس حالياً سمات "الـدنا" لهذه القطعة. فقد تكون لجمجمة رجل نياندرتال، وتشكل بالتالي حلقة ذات أهمية قصوى في تاريخ الوجود البشري في المملكة المتحدة. ولربما تثبت أن رجل نياندرتال والرجل الحديث كانا يتعايشان سوياً في المنطقة.

وقد شكل "كهف كانتس" مصدر إلهام أيضاً لأحد أبرز مؤلفي الروايات البوليسية في إنجلترا، أغاتا كريستي، التي ولدت في "توركاي" ونشأت فيها. وفي روايتها "الرجل الذي يرتدي بذلة بنية"، تأتي البطلة، آن بدينغفلد، على ذكر أبيها العالم بالحفريات الذي يمضي أيامه في "كهف هامبسلي" بحثاً عن آثار لدببة الكهوف ووحيد القرن الأصوف.



© اليونسكو/ بيتر كولز
مرجان متحجر في بلدة "توركاي"، ديفون

التطور لا يتوقف على الباطون والرافعة

رغم أن مبادرة الرياض الجيولوجية تهدف إلى حماية تراثنا الجيولوجي العالمي، فإنها "موجهة أيضاً، وبدرجة كبيرة، إلى الأفراد" وفقاً لمارغريت باتزاك. حتى أن هذه المبادرة قد أفضت إلى مفهوم جديد يُعرف بـ"السياحة الجيولوجية"، وبات يشكل إحدى أدوات التنمية الاقتصادية المستدامة. وتوضح قائلة أن "الأمكنة التي تكتسي أهمية جيولوجية كأنتاركتيكا [القارة المتجمدة الجنوبية] والصحارى لا يمكن أن تصبح حدائق جيولوجية بالنظر إلى تعذر الوصول إليها.

واستناداً إلى ميل بوردر، المكلفة بشؤون التربية في مكتب مدير "الصندوق الاستئماني لساحل وريف تورباي"، فإن وجود الروضة الجيولوجية في منطقة حضرية يترك أثراً إيجابياً مباشراً على المجتمع المحلي ويتيح فرصاً للعمل، لا سيما وأنه "منذ تراجع السياحة في السبعينات، تعاني منطقة توركاي من فقر شديد. كما أن بعض الأولاد في الضواحي لم يذهبوا في حياتهم إلى البحر".

وباتت الروضة الجيولوجية تتمتع بشبكة من المعلمين المحليين الذين يعدّون سلسلة من الدورات الدراسية القائمة على البرنامج الوطني للتعليم الابتدائي والثانوي، علماً أنه سيكون بإمكان جميع المعلمين في أوروبا الانتفاع بها. ويضيف نيك بو: "يجب بناء القواعد اللازمة لنمو الاقتصاد. هذا يعتمد على تعليم الأطفال. وقد كان ترحيب مدارس معينة بمفهوم الرياض الجيولوجية حاراً جداً".

وتعمل منظمة الروضة الجيولوجية التابعة للريفييرا الإنجليزية حالياً على إقامة عدد من الشراكات، ليس فقط مع المدارس والجامعات، وإنما أيضاً مع حدائق جيولوجية أخرى ضمن الشبكة الأوروبية للرياض الجيولوجية التي تعدّ 32 عضواً. كما أن الأخصائيين المحليين ينظمون بانتظام جولات برفقة مرشدين ومؤتمرات موجهة للجمهور الواسع. ويزور حوالي 3.7 مليون سائح المنطقة سنوياً. وهذا ما يدعو نيك بو إلى القول ختاماً: "إن التنمية المستدامة تتجاوز بكثير الباطون والرافعة".

بيتر كولز، صحافي بريطاني.


العودة إلى الصفحة الرئيسية