ISSN 1993-8616

2008 - العدد الثالث


كم يمكننا أن نستهلك بعد؟





© اليونسكو/ ميشال رافيسار
ماتيس واكرناغل (على اليمين) وروني أميلان، في اليونسكو

يُقصد بالبصمة الإيكولوجية قياس الأراضي اللازمة لتلبية احتياجات الفرد تبعاً لنمط العيش، وحجم الاستهلاك لقاء التجديد (الإنتاج). وقد طوَّر هذا المفهوم المدير التنفيذي لشبكة البصمة الإيكولوجية، ماتيس واكرناغل (سويسرا).



شبكة البصمة الإيكولوجية منظمة لا تستهدف الربح، وتعمل على تعزيز الاستدامة الإيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية، وجمع الحسابات القومية للبصمات، وقياس استخدام الموارد الإيكولوجية وسعة موارد الدول على مر الزمن. تحدث واكرناغل إلى روني املان، من مكتب اليونسكو لإعلام الجمهور، عن أهداف الشبكة.

أنشئت شبكة البصمة العالمية عام 2003 في كاليفورنيا، وترمي إلى وضع حد لعملية عرقلة أنفسنا بأنفسنا ووضع العقبات أمامنا. فلقد أصيب نظام استقلابنا بالإرهاق لأننا نستهلك أكثر من طاقتنا على الإنتاج. وأبرز مؤشرات هذا الإرهاق هو التغير المناخي. يمكننا أن نصمد بعض الوقت لأن لدينا مخزونات محددة لكننا نتجه نحو الإفلاس الإيكولوجي.



© ماتن باران
حي فقير "ميناء الأمير"، هايتي

متى تتوقعون نفاد المخزونات التي نعتمد عليها؟

في بعض أجزاء العالم، بلغنا مرحلة الإفلاس. فهايتي ودارفور على سبيل المثال منطقتان تعانيان من شتى أنواع المصاعب. والحروب الأهلية الدائرة إنما هي نتيجة عوامل عدة، ولا سيما النقص في الموارد. ففي دارفور، نرى اليوم أنه لم يعد هناك من خشب في مدى عشرة كيلومترات حول مخيمات اللاجئين. كما أن الأوضاع المأساوية، بما في ذلك حالات الصراع، وحتى الحروب، أصبحت أكثر تواتراً في بعض المناطق الفقيرة من العالم حيث يعجز السكان عن دفع ثمن الموارد التي يحتاجون إليها.

وتشير التوقعات الأكثر تفاؤلاً إلى أننا، بحلول عام 2050، سيتوجب علينا استخدام ضعف موارد كوكبنا. فمصائد الأسماك تشهد انهياراً عاماً، فيما أستراليا تعاني من مشكلة مائية متنامية مع ارتفاع درجة الملوحة في منسوب المياه الجوفية. وفي هذه الأثناء، تشهد مستويات المياه تراجعاً مقلقاً في اليمن، مثلاً، من 10 أمتار قبل نحو 50 عاماً إلى 800 متر حالياً. وتستثمر ليبيا في مشاريع كبرى في محاولة لمواجهة النقص في المياه.

قبل 20 عاماً، تحدث غرو هارلم بروندلاند [رئيس الوزراء النرويجي الأسبق، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بتغير المناخ حالياً] عن استدامة الموارد للأجيال المقبلة، لكننا نتحدث الآن عن هذه الاستدامة لجيلنا فقط.

هل تشعرون بأننا نهيئ أنفسنا بفعالية للعجز الوشيك في الموارد؟

بدأ عدد من البلدان الغنية، إلى حد معين، باتخاذ الإجراءات الضرورية، وإن ببطء شديد. ففي بعض المدن مثلاً، ينبغي الحد من حركة سير المركبات في أيام محددة بالنظر إلى رداءة الهواء. لكن هذه الخطوات الضرورية يمكن أن تعتمد فقط في المدن التي تتمتع بشبكة مقبولة للنقل العام. ولا بد من التذكير بأن 50% من سكان العالم يعيشون في المدن، علماً أن المدن تتسبب في إنتاج 70% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. والمدن تستهلك الطاقة بكثافة عالية ويمكنها أن تثبت عن فعالية أكبر في طريقة استهلاكها للموارد. إذ يمكن تحقيق وفورات كبرى في حجم الاستهلاك نظراً لطابع المدن "المدمّج". فالناس الذين يقيمون ويعملون في المدن يجتازون مسافات أقصر، كما أن نظام التدفئة يتسم بفعالية أكبر في المباني الكبرى قياساً بالمنازل المنفصلة.

في هيوستن (تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية)، يُستخدم ثلاثة أضعاف الموارد للفرد مقارنة بسيينا (إيطاليا) على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن نوعية الحياة في سيينا ليست أقل جودة من الحياة في هيوستن. وسيينا أكثر فعالية في استخدام الموارد بالنظر إلى أسلوب بنائها. بكلام آخر، إن استخدام الموارد بفعالية لا يعني بالضرورة الحد من نوعية الحياة.





© كين تونغتشان
لوحة رسمها كين تونغتشان، الصين، أحد الفائزين بمسابقة النشء للسنة الدولية لكوكب الأرض.

هل يمكن أن نتوقع تحقيق توازن بين استهلاك الموارد والإمدادات المتيسرة؟

إن إيجاد وسائل للتعاون من أجل تأمين راحة ورفاهية الجميع ليس بحدث جديد. وهذا ما تسعى إليه فرق صغيرة وبعض البلدان لمراعاة الاعتبارات البيئية. ولا ريب أنه يجب بذل جهود كبرى لتكييف هذه الأنشطة على النطاق العالمي. لكنني مقتنع بأن هذا الحلم ممكن.

كما أصبح الفصل بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية بالياً لأن نموذج التنمية الحالي على وشك أن ينهار. وسيكون في المستقبل ثمة توازن بين البلدان التي تستخدم موارد أقل والبلدان التي تستخدم موارد تفوق إنتاجها، مما سيجعلها أكثر ضعفاً.

وتستخدم الولايات المتحدة ضعف ما لديها من موارد، في حين أن مصر وإيطاليا وسويسرا تستخدم ثلاثة أضعاف ما تملك. ويسع سويسرا دفع ثمن ذلك علماً أنه يشكل عبئاً ثقيلاً. فإما أن تتزايد أسعار مجمل الموارد وإما أن يحدث انقطاع في الإمدادات.

هل ترون أي تحسن في استهلاك الموارد؟

لا شك أن مجرد التكلم عن هذا الموضوع أمر رائع لأننا كنا ننكر هذه المشكلة لفترة طويلة من الزمن. وكانت المقاومة شديدة، لأعوام مضت، لدى الحديث عن تغير المناخ. لكن كل مدينة باتت تواجه خطر الانهيار، وكأنها جسر محمَّل بأكثر من طاقته، يقاوم لبعض الوقت لكنه ينهار في النهاية. وفيما تصبح الموارد أغلى ثمناً وتنقطع إمداداتها، لن تستطيع المدن مواصلة أنشطتها. وتجنباً لهذا الوضع سيتعين علينا، من بين جملة إجراءات، الحد من اعتمادنا على السيارات الخاصة، وتحسين فعالية استخدام الطاقة. وسوف تتمكن البلدان ذات النسب السكانية المستقرة أو التي تشهد انخفاضاً معيناً من الصمود على نحو أفضل، لأنها لن تكون مضطرة لتوسيع هياكلها الأساسية.

العودة إلى الصفحة الرئيسية