ISSN 1993-8616

2008 - العدد الثالث


نفس جديد لمعازل المحيط الحيوي





©اليونسكو/ لوسيا إغليزياس
معزل المحيط الحيوي "سييرا دل رينكون"، مدريد.

أطلقت عليها تسمية "رئة الكوكب" و"مختبرات التنمية المستدامة". إنها بالتأكيد الاثنان معاً. لكن معازل المحيط الحيوي تشكل قبل أي شيء مجالات رائدة للمصالحة بين الإنسان والطبيعة. وتتيح السنة الدولية لكوكب الأرض، هذا العام، إعطاء نفس جديد لأحد أبرز البرامج العلمية التي عُرفت بها اليونسكو.



كيلومتر 85 على الطريق السيار مدريد – بورغوس. تطالعك إشارة على الجانب الأيمن، نحو طريق صغير يؤدي بك إلى معزل المحيط الحيوي "سييرا دل رينكون". على مدّ البصر، تمتد أمامك 230 15 هكتاراً تؤوي 193 نوعاً من الفقريات، و694 نوعاً من النباتات ذات الأوعية القنوية (أشجار السنديان، والزان، والبتولة، والصنوبر...) و139 نوعاً من النباتات اللاقنوية (الحزاز والطحلبيات والفطر). خمسة وخمسون من الحيوانات والنباتات تشكل هنا أنواعاً مستوطنة، وأربعة منها مهددة بالانقراض. لقد أدرِج معزل "سييرا دل رينكون" في عام 2005 ضمن الشبكة العالمية لمعازل المحيط الحيوي نظراً لـ"قيمته الاستثنائية ومناظره الطبيعية"، وهو يغطي 5 بلديات تشمل 818 نسمة، علماً أن نصف السكان فقط يعيشون فيه طوال السنة.

إننا في أول أيام شباط/فبراير. لكن الشمس تسطع بنورها. في الساحة الرئيسية لقرية "لا هيرويلا" التي تشكل جزءاً من المعزل، يقف 4 أو5 جيران يتحدثون تحت أشعة الشمس الدافئة. وعندما نطرح السؤال عليهم، يقولون جميعاً إنهم فخورون جداً للعيش في دائرة تتمتع بتسمية ذات اعتبار ألا وهي " معزل اليونسكو للمحيط الحيوي". يسود في هذا المكان هدوء تام، يصعب معه تخيّل فوران المدينة الواقعة على مسافة 90 كلم فقط من هنا، بسكانها الذين يناهز عددهم 3 ملايين نسمة، ومشاكل تلوث الهواء، ونفايات المدن، وقلة المساحات الخضراء... "العيش على مقربة من مدينة كبرى ينطوي على حسنات وسيئات في آن"، تقول عالمة البيولوجيا إيلينا دي مينغو، المسؤولة عن المركز التقني للمعزل. "ويتمثل الجانب الإيجابي في انتفاع السكان بعرض كبير من الهياكل الأساسية والخدمات الاجتماعية (المستشفيات، المدارس، إلخ.). فتلك ليست حال المعازل النائية، حتى في إسبانيا. كما أن المسافة الجغرافية القريبة من المدينة تتيح للناس المجيء بسهولة لزيارة المعزل خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبطبيعة الحال، فإن حظنا كبير لكوننا نشكل "جوهرة التاج" بالنسبة لمجتمع مدريد متى تعلق الأمر باجتذاب مشاريع الحفظ والبحث". وبالفعل، فإن العاصمة الإسبانية تموّل مشاريع ومبادرات عدة لحماية البيئة. وتضيف العالمة قائلة: "باختصار، إننا نمثل منطقة ذات أولوية بالنسبة لحكومة تتمتع بالموارد اللازمة، وهذا أمر إيجابي جداً".



© لويز دو موغ
"الغابة الأطلسية"، البرازيل

الإنسان والطبيعة

لكن إيلينا دي مينغو تعترف بأن المعزل "يواجه أيضاً صعوبات معينة، كضرورة إعداد التخطيط السياحي بأدق تفاصيله لتجنب بروز أي آثار سلبية على الأنواع التي يتعين حفظها. ولذا، نعمل على تنظيم الجولات السياحية على الدروب والممرات الإيكولوجية الضيقة تبعاً لخطوط سير ثابتة. أما العقبة الماثلة أمامنا، فهي عدم قدرة الأجيال الشابة على المكوث هنا لأنه لا يُسمح ببناء مساكن جديدة. وبالتالي، يصبح التجدد السكاني وخلق الوظائف أمراً صعباً".

تشكل هذه المصالحة بين النشاط البشري وصون الطبيعة، تحديداً، أهم تحديات برنامج اليونسكو بشأن الإنسان والمحيط الحيوي، الذي كان وراء إنشاء معازل المحيط الحيوي. فمنذ إدراج "حديقة ييلوستون" (الولايات المتحدة الأمريكية) على القائمة في عام 1976، وصولاً إلى معزل "روستوفسكي" (الاتحاد الروسي) المدرج أخيراً، باتت الشبكة العالمية لمعازل المحيط الحيوي تعدّ اليوم 531 مجالاً طبيعياً في مائة وخمسة بلدان. كما أنها تشمل المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وغابات المانغروف، ومناطق التوندرا، والمناظر المغطاة بالثلوج، والمناطق البحرية. ولكن ما هي النقاط المشتركة بين جميع هذه الأمكنة؟ وما هي التهديدات المحدقة بها؟



© يتينغ ليانغ
غبة فونتنبلو، بالقرب من باريس.

مختبرات للتغير المناخي

لقد تمحور المؤتمر العالمي الثالث لمعازل المحيط الحيوي (مدريد، شباط/فبراير 2008) حول هذه الأسئلة، وشارك فيه أكثر من 800 مندوب. "كان الهدف من المؤتمر مراجعة الاستراتيجية التنظيمية برمتها سعياً لاستغلال طاقات معازل المحيط الحيوي على نحو يستجيب للتحديات الجديدة، كتواري المعارف التقليدية، والتنوع الثقافي، والنمو السكاني، وتناقص الأراضي الزراعية، والتغير المناخي"، بحسب ميغل كلوسنر – غودت، أخصائي البرنامج في شعبة العلوم الإيكولوجية وعلوم الأرض/اليونسكو. ويضيف قائلاً: "التغير المناخي أمر واقع، ونعاني من آثاره. وتشكل معازل المحيط الحيوي مواقع مثالية لدراسة نتائجه والبحث عن السبل الكفيلة بالتخفيف من حدتها". هذه هي الغاية التي وُضعت من أجلها استراتيجية مدريد، وهي تحتوي على 31 هدفاً و65 إجراء عمل. ومن الإجراءات المتوقع اعتمادها، يُذكر ضرورة تسهيل دمج المناطق الحضرية ضمن المعازل، وتنظيم دورات تدريبية بشأن مختلف النظم الإيكولوجية، وإقامة معازل رائدة بهدف تقييم إسهامها في الاقتصادات المحلية، وإشراك متزايد للقطاع الخاص، وتشجيع اعتماد تسميات رسمية لأصناف المنتجات الصادرة عن معازل المحيط الحيوي.

وسوف تطبَّق استراتيجية مدريد على برنامج الإنسان والمحيط الحيوي لفترة الأعوام 2008 – 2013، وعلى مناطق أخرى تكتسي بعداً رمزياً عالياً كالغابة الأطلسية البرازيلية، التي تغطي 4،5% من مساحة البرازيل، وجبل كينيا، ومنطقة "كامارغ" الفرنسية. وتعلق إيلينا دي مينغو، عالمة البيولوجيا في معزل المحيط الحيوي "سييرا دل رينكون" على ذلك بالقول: "ما زال التوازن بين الإنسان والطبيعة قائماً حتى الآن، لكن الحفاظ عليه يشكل مهمة دقيقة". فلا ريب أن استراتيجية مدريد المعتمدة خلال السنة الدولية لكوكب الأرض ستوفر أداة قيّمة لتحقيق ذلك.

لوسيا إغليزياس كونتز


العودة إلى الصفحة الرئيسية