العدد الرابع 2007
الحس الأخلاقي والرقابة

|
 بلانتو©
|
تنطوي حرية الصحافة على مسؤوليات محددة على الصحافيين كما أنها تمنحهم في المقابل عدداً من الامتيازات. لكن مهمة تنظيم الصحافة، بخلاف "شقيقتها الكريهة" (الرقابة)، تحمي الجمهور من التضليل الإعلامي. فهل تكون كافية لضمان الحرية المتوخاة في المشهد الإعلامي؟
لربما يؤدي الصحافيون دوراً رئيسياً في الدفاع عن قيم الانفتاح في مجتمع معين، لكنهم قد يقعون أيضاً ضحية الخداع والدعاية لخدمة مصالح سياسية أو تجارية محددة في ظل انعدام تنظيم مهنتهم. فقد لعبت "إذاعة الكراهية" السيئة السمعة في رواندا، وكانت تعرَف بـ "إذاعة التلال الألف الحرّة"، دوراً بارزاً في تأجيج عمليات الإبادة الجماعية في البلاد، من خلال البرامج التي بثتها بين عامي 1993 و1994، علماً أن هذه الإبادة أسفرت عن مقتل حوالي 000 800 شخص من جماعة التوتسي والمعتدلين الهوتو خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بحسب منظمة هيومان رايتس واتش. وبعد مرور 13 عاماً، يعيد الصحافيون في رواندا، على غرار زملائهم في بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورتين، بناء مصداقيتهم لدى الجمهور – ومصداقيتهم المهنية – تدريجياً، عقب أعوام من الرقابة المفروضة من جانب الدولة. واللافت في هذا التطور هو سعي الصحافيين أنفسهم إلى تنظيم مهنتهم.
ومن المفارقة أن قانوناً كان قد صدر عام 1991 لإتاحة التعددية الإعلامية وأقِرّ بعد فترة وجيزة من اعتماد رواندا نظاماً تعددي الأحزاب أفسح المجال في الواقع أمام ظهور "وسائل إعلام الكراهية". بيد أن الخراب الذي خلفته "إذاعة التلال الألف الحرّة" دفعت بحكومة الجبهة الوطنية الرواندية إلى إبداء الارتياب والشكوك إزاء وسائل الإعلام غير المنظمة – وهو وضع بدأ بالتراخي منذ سنوات معدودة فقط.

|
 © س.ب.جي.
موديست موتينغا
|
وضع إلى تحسن
"ما زالت الحكومة حذرة وهي لم تطلق العنان بعد لحرية الصحافة" يقول سيبريان نديكومانا، ممثل معهد بانوس باريس - منظمة دولية غير حكومية- في بوروندي ورواندا.
وهو يضيف قائلاً: "من المؤكد أن الصحافيين ما زالوا يبدون آراءهم بحذر. لكن ضمن السياق التاريخي والثقافي العام، لا شك أن تطوراً إيجابياً جداً قد برز منذ عام 2004 في ظل تعددية وسائل الإعلام، بما يشمل حوالي 10 محطات إذاعية مستقلة". وقد بثت إحداها، وتدعى "كونتاكت أف. أم." اتصالاً هاتفياً مباشراً مع رئيس البلاد بول كاغام في أحد برامجها الحية في أيلول/سبتمبر 2006.
عام 2002، أنشأت الحكومة الرواندية المجلس الأعلى للصحافة، وأنيطت به مسؤوليات تنظيم وسائل الإعلام. لكن نديكومانا يوضح أن "المجلس كناية عن هيئة استشارية، وهو لا يملك الكثير من الصلاحيات. وبإمكانه إسداء المشورة إلى وزارة الإعلام التي، بدورها، تمنح التراخيص لوسائل الإعلام الجديدة وتصدر العقوبات بحقها". وثمة قانون جديد طُرح للنقاش أمام البرلمان أخيراً ويقضي بنقل صلاحية اتخاذ القرارات إلى المجلس الأعلى للصحافة. وفي هذه الأثناء، يحاول الصحافيون تنظيم مهنتهم شيئاً فشيئاً، من خلال مركز الصحافة المنشأ حديثاً ولجنة الأخلاقيات ومدونات السلوك التي أنشأتها الرابطة الرواندية للصحافيين.
ولجمهورية الكونغو الديمقراطية أيضاً تاريخ حديث ملطخ بالدم إذ كان هذا البلد مسرحاً لـ"حرب أفريقيا الشاملة"، وقد شهد مقتل أكثر من ثلاثة ملايين شخص استناداً إلى منظمة أمنيستي إنترناشونال. رغم ذلك، أحرز هذا البلد تقدماً ملحوظاً في التأسيس لحرية الصحافة. ففي عام 2003، أنشئت هيئة تنظيمية مستقلة تدعى السلطة العليا للإعلام كجزء من اتفاق "صَن سيتي"، وأوكلت إليها بالأخص مهمة ضمان أن تقوم وسائل الإعلام بمنح تغطية عادلة ومتوازنة لجميع الأطراف خلال أول انتخابات متعددة الأحزاب شهدتها البلاد خلال فترة 40 عاماً، في تموز/يوليو 2006.
ويعود سيبريان نديكومانا بالذاكرة إلى الوراء بقوله إن "السلطة العليا للإعلام فقدت شعبيتها تماماً في مرحلة معينة من الانتخابات، سواء على مستوى حزب الرئيس جوزيف كابيلا، أو حزب المعارضة برئاسة جان بيار بيمبا. وتلك كانت دلالة واضحة على أنها تشكل هيئة مستقلة وحيادية. كما أنها أمرت بتعليق بث عدد من المحطات الإذاعية، بما فيها الإذاعة وقناة التلفزة الرسميتين".
فضلاً عن أسسها القانونية المتينة، تدين السلطة العليا للإعلام بنجاحها لقيادة رئيسها، موديست موتينغا، وهو صحافي يتسم بالشجاعة، وقد أودع السجن مراراً لتعبيره عن آرائه، ونال عام 2000 الجائزة الدولية لحرية الصحافة الصادرة عن لجنة حماية الصحافيين.
وكان إنشاء منظمة وسائل إعلام أفريقيا الوسطى عام 2001، بمبادرة من مجموعة واسعة من الجهات المعنية بوسائل الإعلام في المنطقة، بما يشمل الصحافيين ومالكي وسائل إعلامية، ورابطات مدافعة عن حرية الإعلام، محاولة لتمكين وسائل الإعلام الوطنية من الانتفاع بمكامن القوة الإعلامية الإقليمية. فبدعم من اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية، تصدِر منظمة وسائل إعلام أفريقيا الوسطى إنذارات بشأن تجاوزات مرتكبة بحق الصحافة، كما أنها توفر التدريب والدعم للصحافيين عبر أنحاء المنطقة.
خطوات إضافية إلى الأمام
لكن التأسيس لحرية الصحافة من خلال قوانين تحمي الصحافيين، وهيئات تنظيمية مستقلة، ورابطات الصحافيين وهيئات مراقبة وسائل الإعلام، لا يشكل سوى جزء من الحل.
"لا يمكن للصحافة أن تكون حرّة طالما أن الصحافيين يعيشون ويعملون في ظروف ضاغطة"، يقول نديكومانا.
ويضيف موضحاً: "في بلدان كرواندا ومناطق عدة أخرى في أفريقيا الوسطى، ليس هناك ما يُعرف باتفاق عمل رسمي، وكثيراً ما يتخلف رب العمل عن تسديد الرواتب، أو أن الدخل يكون غير متلائم مع قيمة العمل. لذا، يتم استغلال الصحافيين أحياناً لخدمة مصالح سياسية ومالية، مما ينعكس بلا ريب على جودة العمل الصحافي".
وتقضي إحدى تلك الممارسات السائدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية في قيام بعض الأطراف بدفع أموال للصحافيين لنشر مقالات مؤيدة لها، و"هذا ما يقضي تماماً على حرية الصحافة" يقول نديكومانا، "ويكمن الحل الوحيد في تحسين شروط عمل الصحافيين، وتوفير تدريب أفضل لهم، وتعزيز قدرات المهنة على تنظيم ذاتها".
بيتر كولز – لندن - المملكة المتحدة