ISSN 1993-8616

التراث غير المادي


كولومبيا تسهر على تراثها






كرنفال بارانكيا
© فرناندو ميركادو

أصبحت قضية صون التراث الثقافي غير المادي تحتل اليوم مكان الصدارة بفضل الحملة التي أطلقت تحت رعاية اليونسكو.









يبدأ أحد الإعلانات التي جرى بثها أخيراً خلال ساعات الاستماع القصوى عبر الإذاعة والتلفزيون في كولومبيا بهمس يعلو تدريجياً إلى أن نبدأ بتمييز لغات مختلفة. ويبدو بعضها أقرب إلى اللغة الصينية القديمة، والبعض الآخر إلى النبرة التي تتسم بها اللغات السلافية. وسط هذا المزيج الذي لا ندرك معناه، سرعان ما نسمع شعراً بالإسبانية للشاعر الكولومبي الكبير خوسيه أسونثيون سيلفا. فيدرك المشاهد آنذاك أن اللغات التي قد استمع إليها كانت كلها لغات أصلية. وينتهي الإعلان برسالة تذكّر بأن كولومبيا بلد متعدد الثقافات واللغات. وهناك فيلم آخر يزدهي بالـ"موهان"، تلك الروح المتنقلة بين الغابات وبالقرب من الأنهار، والتي كانت تبث الذعر في نفوس الفلاحين في القدم. كما أن فيلماً ثالثاً يذكر تقنية الجدار المصنوع من المصنوع، والمتوارث عن الهنود الأميركيين. حتى أن "البوزانداو"، وهو نوع من الطعام المركب من المنيهوت والنشويات والسمك وحليب جوز الهند ويتم تناوله في المناطق الساحلية للمحيط الهادي، كان محط هذه الإعلانات أيضاً. يبلغ عدد الشعوب الأصلية المقيمة في كولومبيا 83 شعباً، كما أن هذه البلاد تحصي 70 لغة ولغة محلية. وهي عازمة الآن على إلقاء الضوء على تراثها غير المادي، إلى حد دفع بها إلى إطلاق حملة توعية واسعة لهذا الغرض. وهذه الحملة التي بلغت كلفتها 000 150 دولار أميركي، وجرى تمويلها من اليونسكو وجمعية أندريس بيللو والدولة الكولومبية، حملت شعارا هو "أظهِر على حقيقتك". كذلك فقد أسهم إعلان اليونسكو عن كرنفال برانكيلا بوصفه من روائع التراث الشفهي وغير المادي في عام 2003 إلى حد كبير في إدراك أهمية هذا التراث.
يتكون مهرجان برانكيلا من تظاهرات ثقافية من أكثر من خمسين قرية وبلدة واقعة على ضفاف نهر ماجدالينا. وفيه سرد لحكايات عن رجال تحولوا إلى تماسيح وهنود بأزياء تنكرية يهمّون بالانتقام لشرف نسائهم اللواتي اختطفهن الإسبان، على إيقاع موسيقى الكومبيا وآلات الطبل التي تدوّي طوال خمسة أيام دون انقطاع.



© المعهد الكولومبي للتاريخ والأنرتبولوجيا
ملصق أنتج بمناسبة حملة "اظهر على حقيقتك"

جردة للتقاليد

في موازاة هذا الإعلان، أطلقت وزارة الثقافة سلسلة من المبادرات الرامية إلى تنفيذ المهام المنصوص عليها في اتفاقية اليونسكو التي من المتوقع أن يصادَق عليها قريباً، فأنشأت الإدارة الفرعية للتراث غير المادي في مرحلة أولى لمساعدة الجماعات المحلية على إعداد قوائم حصر لتقاليدها الشفهية.
وصرّح إميرو دياز، مدير البرمجة في المعهد الكولومبي لعلم الإنسان والتاريخ، وهو الكيان المكلف من جانب وزارة الثقافة الكولومبية بصياغة سياسات الصون، قائلاً: "أصبح التراث غير المادي موضة بفضل الورش التي قمنا بتنظيمها في خمس مناطق عبر البلاد".
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2005، وفيما كانت جهود وزارة الثقافة بشأن الاتفاقية قد أحرزت تقدماً كبيراً، أعلنت اليونسكو ثقافة "بالانكيرا" ثاني روائع التراث الكولومبي. ويشار إلى أن "سان بازيليو دي بالانك" كناية عن قرية صغيرة جداً تعاني من فقر كبير، ويعيش فيها المتحدرون من الرقيق الذين تمردوا في القرن السابع عشر في وجه العرش الإسباني وأعلنوا استقلال أراضيهم. وبذلك أرادت اليونسكو صون لغتهم، وهي كناية عن مزيج من الإسبانية والبانتو، وموسيقاهم الأفريقية بشكل أساسي، ومعارفهم في مجال الطب القديم وطقوسهم الجنائزية.



© لوقا سيلفا، بالانك ريكوردز
نتائج ملموسة
"إنها حالة خاصة جداً" تؤكد بيتسي إلينا هيرنانديز، الباحثة في علم الإنسان في الإدارة الفرعية للتراث غير المادي، "إذ أن بالانك ليست بحاجة فقط لسياسة تصون ثقافتها، وإنما أيضاً لإجراءات كفيلة بمكافحة الفقر. فنحن نتكلم هنا عن قرية تفتقر لشبكة المجاري، ولا يتوفر فيها التيار الكهربائي سوى بضع ساعات في اليوم. والوزارة ترغب في معالجة هاتين المسألتين بصورة عاجلة".
في هذه الأثناء، باتت النتائج ملموسة في بارانكيلا: فلقد تزايد معدل السياحة بحوالي 20% العام الماضي، بحسب بيانات غرفة التجارة. كما أن العديد من الحرفيين يتابعون حالياً دورات تدريبية لصناعة الأقنعة وأزياء الكرنفال التقليدية.
أخيراً، يلاقي التراث غير المادي اليوم اهتماماً في المناطق الأكثر بعداً عن المركز في كولومبيا. وأطلقت سبع مقاطعات تقع كلها تقريباً في الغابة المدارية الجنوبية، حيث يعيش أكثر من 70% من الجماعات الأصلية الكولومبية، مشاريع حصر لقوائم التراث، مما سيسهم بلا شك في تحسين المعرفة بالتراث الشفهي لهذا البلد.
سيرجيو أوكامبو، بوغوتا