التراث غير المادي
الأولونكو، حكايات بطولية ترقى إلى اثني عشر قرناً

|
 ©اللجنة الوطنية لجمهورية ساخه(ياقوت)
الراوي ينشد حكايته
|
كادت حكايات الأولونكو البطولية المغناة منذ أجيال في ياقوت أن تختفي تماماً بعدما كانت محظورة طوال الحقبة السوفيتية. وقد أُعلن هذا التقليد الشفهي المرتبط بالفولكلور الشماني (عبادة قوى الطبيعة والقوى الخفية) من ضمن روائع التراث الشفهي وغير المادي لليونسكو عام 2005.
كان يا ما كان في قديم الزمان كان هناك ساحرة تدعى سرخانة، تنتمي إلى العالم السفلي. وقامت في أحد الأيام باختطاف ثلاثة أطفال من العالم الفوقي والوسيط والسفلي. تحول الأطفال الذين تبنتهم سرخانة إلى ذئاب وسرعان ما قاموا بغزو أراضي البطل تشوغدان بوخاتير. لكن هذا الأخير قاومهم وتغلب عليهم. فما كان بالخاسرين إلا أن نادوا "أخاهم العجوز" للنجدة، وهو المسخ ديغييدانا بيغي، فاضطر البطل إلى التراجع.
هكذا تبدأ حكاية "كييس دبيلييه" التي تسرد بأكثر من صيغة حكايات أولونكو البطولية، المتناقلة من جيل إلى آخر في جمهورية ساخا في ياقوت، بشمال شرق الاتحاد الروسي. تنهل الأولونكو من الأساطير القتالية الشائعة في المنطقة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفولكلور الشماني، وهي تحوي الذاكرة الملحمية لأمة الياقوت. وكما هي الحال في الأساطير الإغريقية القديمة، فلقد وضعت آلهة أولونكو الرجال الأوائل على الأرض في العالم الوسيط. ويخضع العالم الفوقي لسيطرة الآلهة علماً أن حدوده وحدها تبقى تحت احتلال عمالقة خطيرين باسم الأباسي. أما العالم السفلي، فهو يخضع لسيطرة وحوش أعداء للإنسان. لكن، وراء الدسائس والمؤامرات القتالية التي تزخر بها هذه الحكايات، فإن المعركة بين الخير والشر هي التي تقع في صميم هذا التقليد الشفهي.

|
 خارطة جكهورية ساخة (ياقوت) التي تقع في شمال شرق الاتحاد الروسي
|
رواية بطولية مغناة
خلافا لمعظم سائر الروايات الملحمية، فإن الأولونكو لا تُحكى وإنما تغنى. كما أن لخصائص وأفعال كل شخصية نغما خاصا بها. يغني الحكواتي، ويدعى الأولونكوسوت، مونولوجات الأبطال وينشد باقي النص في إيقاع سريع، بصوت أقرب إلى النغم الرتيب أحياناً. وتشمل الروايات أيضاً أصواتاً تقلّد صهيل الحصان وتغريد العصافير وغيرها من أصوات الحيوانات. وتستطيع رواية الأولونكو، عبر الأصوات المختلفة، غناءً وسرداً، حبس أنفاس المشاهدين ليلة بأكملها.
تعكس الأنغام التأثيرات الشرقية للأولونكو، والتي تنتمي إلى الفنون الملحمية القديمة للشعوب التركية-المغولية. كما عثر الأخصائيون في مجال الأولونكو على عناصر مشتركة مع موسيقى الراغا الهندية، والمقام في منطقة آسيا الوسطى، وفي أذربيجان التي أنتجت الغناء الغريغوري. ولهذا التقليد الموسيقي الياقوتي أوجه شبه أيضاً مع الغناء التقليدي لجماعات الأكين في كازخستان وقيرغيزستان.
في بداية القرن العشرين، شهدت الرواية الياقوتية البطولية حقبة مزدهرة. وقد استوحت بعض المسرحيات أسلوب إخراجها من الأولونكو، ويذكر منها على سبيل المثال "الشاب الباسل برييت برغن" (1906) و"البطل كولانتاي على حصانه السريع" (1907). لكن الحقبة السوفياتية سرعان ما وضعت حداً لهذا النجاح. واعتبر هذا التقليد الشعبي الشفهي في ذلك الحين من مخلفات الماضي وجرى حظره بالفعل. لكنه تواصل سراً. وفي حين كان لا يزال هناك مئات من الحكواتيين في منطقة ياقوت في الماضي، بيد أن عددهم بدأ يتضاءل مع الزمن فلم يبق منهم اليوم سوى اثنين: داريا تومسكايا (96 عاماً) في قرية إيني، وبيوتر ريشيتنيكوف (77 عاماً) في قرية تشركخ. ويؤكد أندري بوريسوف، المخرج المسرحي لرواية الأولونكو "كييس دبيلييه" بهذا الصدد: "في سياق عالمنا اليوم حيث يجد الإنسان نفسه خاضعاً لضغوطات كثيرة، فإن الصفاء الذي تأتي به حكايات الأولونكو إنما يضفي الكثير من الارتياح على النفوس".
تراث مهدد
إزاء التهديدات التي كانت تواجه هذا التقليد الشفهي، أعلنت اليونسكو الأولونكو من ضمن روائع التراث الشفهي غير المادي للإنسانية. وفي أعقاب هذا الإعلان، أطلق العديد من المبادرات الرامية إلى ضمان صونه. كما اعتمد قرار بشأن "إجراءات صون ودراسة ونشر الملحمة البطولية الياقوتية أولونكو". وهو ينص بالأخص على إطلاق "عقد الأولونكو 2006-2015" في الجمهورية وتسديد معاش لـ"المؤتمنين اللذين يعيشان من هذا التقليد الملحمي" داريا تومسكايا وبيوتر ريشيتنيكوف. كما تقرر إنشاء مركز لدراسات الأولونكو ومسرح للأولونكو وتنظيم مهرجان فولكلوري سنوي تحت عنوان "ثقافة العالم على أراضي الأولونكو". ومن جهة أخرى، تركز الجهود حالياً على الجيل الشاب بعدما كلفت وزارة التربية بإنشاء برامج دراسية ومواد تعليمية مكرسة لملحمة "الأولونكو".
فلاديمير سرغييف