ISSN 1993-8616

2009 - العدد الخامس


جمال البجعة





© فان زينغ
"متعة التعلم"، فان زينغ، 1998.

ينهل الفن من كمال السماء والأرض. كما تنهل الثقافة من كمال الطبيعة. تلك هي الفكرة التي تمركزت حولها محاضرة بعنوان "رجوع إلى الطبيعة، رجوع إلى المنابع" ألقاها الخطاط والشاعر الصيني فان زينغ في اليونسكو، في مايو/ أيار الماضي، وذلك في إطار المهرجان الدولي للتنوع الثقافي.








رسام مثقف
العلامة فان زينغ الذي عُيّن مؤخراً مستشاراً في اليونسكو للتنوع الثقافي يتبع تقاليد "الرسم عند المثقفين"، وهي تقاليد فنية تطورت في الصين ابتداءً من القرن العاشر. التفاصيل

إن الطبيعة معين لا ينضب تنهل منه البشرية. فلقد حبتها ليس بأسباب وجودها الضرورية فحسب ـ ألا وهي الهواء، والماء، والأرض ـ وإنما وهبتها أيضاً ما يكفل لها انتظام حياتها، مثل تعاقب الشمس والقمر، وهبوب الرياح وهطول المطر، وهو ما جعل الكائنات الحية تترعرع منذ فجر التاريخ.

غير أن البشرية، وقد نفد صبرها، قابلت الخير بالشر. ففي القرن الماضي، جاء في مقولة صادمة لعالم بيولوجي أنه:"لا ينبغي أن ننتظر، صامتين، مِنَن الطبيعة علينا، بل يجب، بالأحرى، أن نطلب منها تحقيق رغباتنا". فالبشرية، شأنها شأن ولد أرعن، يُهدد أُمّه العطوفة بقبضة يده؛ أو كتمساح فاغر الفم، يضمر الضراوة والشراسة، ويجهل حدود ما يمكن للأرض أن تهبه لنا.

منذ أكثر من ألفي وخمسمائة سنة، قسَّم الفيلسوف الصيني الكبير، لاو زي، مكونات الكون إلى خمس فئات ـ أولها المرئيات، والمسموعات، والمحسوسات؛ ثم الغيبيات، وهي عبارة عن حقائق تامة الوجود يُطلق عليها اسم "داو"، تعتبر بمثابة شريعة سماوية، شأنها شأن "المثال" عند أفلاطون، أو "روح العالم" عند هيجل، أو "الغائية المتعالية" عند كانط؛ وأخيراً، وفيما وراء "داو"، توجَد الطبيعة، التي هي "الوجود التام في ذاته، الذي نشأ تلقائياً، وبقى كما هو عليه منذ الأزل".

أما في الفلسفة البوذية، فإن مفهوم "الشيء في ذاته" يُعبر عن الاتفاق التام مع علة الأشياء، والمطابقة، والملاءمة، وتلك كلها صفات تُنسب إلى الطبيعة. وهذا الوجود في ذاته، الذي يُعبر تعبيراً لا لبس فيه عن لانهائية الزمان والمكان، هو دائم الوجود في كل موجود، لا تقيده حدود، ولا تحصره عشرات المليارات من السنين الضوئية، ولا تكفي عشرات المليارات من السنين للدلالة على ديمومته.

وقد ذهب ديراك إلى أن العلوم الرياضية الأكثر تطوراً هي وحدها التي يمكن لها أن تصف الوجود في ذاته. وقبل ذلك بمائتي سنة، أفرد كانط للعلوم الرياضية مكانة بارزة في مؤلفه "نقد العقل الخالص"، مستبقاً بذلك، فيما قيل، التفوق الحتمي لوسائل الرقمنة الإلكترونية التي تم استحداثها بصورة تدريجية.

ومع ذلك، فإن الطبيعة تغاير المنطق الرقمي لما يتسم به من عقلانية عسيرة الفهم. ذلك أنها تهب البشرية كل ما تصبو إليه من محبة واعتدال، وهما صفتان ملازمتان لجمال السماء والأرض. ولنتذكر تعاليم مفكر لا نظير له، عاش في الصين منذ ألفي وثلاثمائة سنة في ظل "فصول الربيع والخريف"، هو زوانغ زو، الذي امتلك حكمة إلهية شأنه في ذلك شأن أثينا، إلهة الحكمة والفنون عند الإغريق. فقد قال هذا المفكر في نص من نصوصه: إن للسماء والأرض جمالاً كاملا صامتا؛ ويجري تعاقب الفصول على نحو منتظم، دون تدخل من شيء أيّاً كان؛ وتتوالد الموجودات كلها، على نحو ضمني، ووفق منطق الأشياء.

يُجسد الوجود في ذاته، وقد تَجرد من كل سمة عقلانية أيّاً كانت، الفضائل المثلى التي تملأ السماء والأرض، وتطلق العنان لملكات النفس البشرية الإبداعية، وتحتضن العقول والمواهب الإنسانية على كثرتها. أما بذور هذا الجمال التام، فإنها تنتشر في كوكبنا وتتحول إلى فضائل الصدق والحق، كما أنها تُعتبر بمثابة أشكال للتعبير الجمالي. ولا شك في أن الإنسان يتمتع بحقوق فطرية من بينها "الحق في التجربة الجمالية"، حتى وإن كان هذا الحق لا يرد ذكره في النصوص القانونية (وربما يعود ذلك إلى أنه يُعتبر حقاً ضمنياً). ويُمثل كمال السماء والأرض، منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، المعين الذي لا ينضب، ومنه ينهل الجمال وتنوع الثقافات في العالم الذي نعيش فيه.

أيحق لنا أن نتجاوز الطبيعة؟ ذلك هو غرور لا جدوى منه


© فان زينغ
"رونغ كوي، صياد الشياطين"، فان زينغ، 2007

يصف المفكر زوانغ زو في كتاب يحمل اسمه هو " زوانغ زي" شعباً يُسمى "هيكسو"، كان يعيش في قديم الزمان بلا هموم، يأكل ملأ بطنه، ويصاحب الحيوان والنبات. وتسيطر هذه الأفكار بعينها على مخيلتنا. فبداية من أفلاطون ومروراً بتوماس مور، وسان- سيمون، وفورييه، وحتى أووين، راودت الناس أحلام جميلة. ولو كان الأمر على خلاف ذلك، فلربما اتخذ مصير البشرية شكلاً آخر. وإذا ما أُريد لنا أن نعيش بلا أحلام، فسوف نحيا حياةً عقيمة لا جدوى منها، ونسير نحو موت محقق. يا له من مصير تَعِس.

ألا تعتقدون أن اليونسكو تروّج للتعدد الثقافي لكي تمهد الطريق، على وجه الخصوص، لتحقيق التوافق العالمي الكبير الذي لا مفر منه؟ بحيث تحتفظ هذه الثقافة متعددة السمات الرائعة بكامل جمالها لملايين السنين.

إن "الرجوع إلى المنابع" و"الرجوع إلى الطبيعة" يُعبّران عن فكرة واحدة بعينها. وما تزال الثقافة تستلهم مقوماتها من الطبيعة. ورغم أن الفنون والآداب تحاكي الطبيعة، وأن العلوم تحقق اكتشافات في شتى مناحي الحياة، فإن محاولة تجاوز الطبيعة ليست سوى غرور لا جدوى منه. ويعود ما حققناه من تقدم تكنولوجي إلى المعادلة التي وضعها ماكسويل في القرن التاسع عشر، وهو التقدم الذي يغطي مجالات تمتد من مجرد اختراع الكمبيوتر وحتى البحوث الخاصة بالملاحة الجوية والفضاء. ومع ذلك، فإن ماكسويل لم يخترع شيئاً. وذلك أنه قبل عصره، بل وقبل وجود الأرض ذاتها، فإن هذه المعادلة كانت كامنة بالفعل في مكان ما من الكون.
ولقائل أن يقول إن الفنون والآداب تتحلى بقدرات إلهية. غير أن مقولات من هذا النوع لا تعدو كونها أفكار فنانين يريدون تعزية أنفسهم. وواقع الأمر أنه رغم المغالاة في الأعمال الفنية، فإن البشرية لا يسعها سوى أن تعمل وفق ما يتماشى مع قدراتها، في حين أنه يكفي لأقل حركة قوية في الكون أن تزعزع أركان كوكب الأرض. وليست الأعاصير والأمواج العملاقة سوي بوادر لما تخبئه لنا قدرات الطبيعة؛ وإذا ما تحول جلال الطبيعة إلى ما يثير الذعر، فإن البشرية تصير كياناً لا وزن له. وقد جاء في مقولة للفيلسوف كانط: غضّوا نظركم على ما يثير الهلع؛ وسترون أن قوة الطبيعة المفزعة هي مظهر من مظاهر اللذةً الجمالية. غير أننا لسنا في حاجة إلى قوة الطبيعة المفزعة كي نحصل على لذة جمالية؛ والدليل على ذلك هو الاحتفال السنوي باليوم العالمي للتنوع الثقافي.

الشراهة تلتهم روح الإنسان


© فان زينغ
"أغنية صياد"، فان زينغ، 2009

في الأزمنة السحيقة والعصور القديمة والعصور الوسطى، كانت البشرية تعيش، أساساً، على الزراعة وتربية المواشي؛ كما أنها كانت تثق بالطبيعة وتقترب منها. وكان الإنسان يكنّ للطبيعة مشاعر الاحترام والمحبة والتواضع. غير أن عصر التصنيع كان من شأنه إذكاء شهوات الإنسان؛ وفي مرحلة ما بعد التصنيع، أخذت الشراهة في التهام روحه.

في بداية القرن العشرين، حذّرنا توْينبي، في انجلترا، وسينغلر، في ألمانيا، من المخاطر المترتبة على تراكم رؤوس الأموال، والتي تأكدت، للأسف، في الوقت الحالي، مثلما تأكدت الأفكار الثاقبة التي عبّر عنها هذان المفكران البارزان : ففي حين يقترن التقدم الذي تحرزه التكنولوجيات بنزعات استهلاكية شرهة، فإن كوكبنا يتعرض لمخاطر تزداد حدتها يوماً بعد يوم.

ولئن كان علينا تبجيل الثقافات الأصلية، فذلك يعود إلى ما تتحلى به من حكمة وجمال، وأصالة وبساطة. إن هذه الثقافات تُعبّر عن صفاء نفوس القدماء. ولا شك في أن هذه الثقافات كانت موضع تقديس. ولكن المعتقدات الدينية، من حيث أنها تجعل الغِبْطة في النفس البشرية، إنما تُعتبر بمثابة فن أصيل بكل معاني الكلمة.

إن الثقافات لا تخضع لنظريات تطور الأنواع التي وضعها داروين أو سبَنْسر. ولا تتفوق الأعمال الحديثة على الأعمال القديمة. أما الجهود الرامية إلى بناء الوعي من أجل إرساء دعائم الثقة والتوافق، وهو ما دلت عليه البشرية جمعاء في هذا اليوم المخصص للمبادلات المتعددة الثقافات، فإنها ستظل دوماً النبراس الذي يضئ طريقنا ويحرك مشاعرنا ويشد من عزمنا.

وجاء في نص من مصنف ألفه بوفون تحت عنوان "التاريخ الطبيعي للطيور":"في كل مجتمع من المجتمعات، سواء تعلق الأمر بمجتمع الحيوان، أو بمجتمع الإنسان، فإن العنف يصنع الطغاة، والسلطة المعتدلة تصنع الملوك : فالأسود والنمور في البر، والعُقبان والنسور في الجو، لا تحكم إلا باللجوء إلى الحرب، ولا تسيطر إلا بالإفراط في استعمال القوة والقسوة؛ في حين أن البجع يسبح على سطح الماء، معبِّراً عن كل صفات السلام ـ ألا وهي العظمة، والجلال، والاعتدال ...".

فلندعو جميعاً إلى تحقيق السلام والوفاق لصالح البشرية جمعاء، ومن أجل أن تدوم روعة جمال البجعة ما دام الزمان.


يُعتبر فان زينغ،الشاعر والرسام، من أشهر الخطاطين الصينيين في الوقت الحالي. وقد ألّف بالفرنسية كتاباً تحت عنوان "Le vieux sage et l’enfant" (نُشر في عام 2005).

الأسماء المذكورة :

لاو زي، فيلسوف صيني (604ـ 479 قبل الميلاد)
زوانج زو، فيلسوف من أنصار مذهب "الطاوية" (القرن الرابع قبل الميلاد)
أفلاطون، فيلسوف يوناني (القرن الخامس ـ القرن الرابع قبل الميلاد)
جورج ويلهيم فريدريك هيجل، فيلسوف ألماني (1770ـ 1831)
إيمانويل كانط، فيلسوف ألماني (1724ـ 1804)
بول ديراك، عالم فيزياء ورياضيات بريطاني (1902ـ 1984)
"فصول الربيع والخريف"، فترة في التاريخ الصيني تمتد من القرن الثامن إلى القرن الخامس قبل الميلاد
أثينا، إلهة الحكمة والفنون عند اليونان
غويليم إليس لان أووين، فيلسوف بريطاني (1922ـ 1982)
روبيرت أووين، داعية للإصلاح الاجتماعي وأحد مؤسسي الاشتراكية و الحركة التعاونية، في المملكة المتحدة (1771-1858)
توماس مور، قانوني، ومؤرخ، وفيلسوف، وعالم لاهوت، وسياسي إنجليزي (1478ـ 1535)
كلودـ هنري دي روفروي، ولقبه "الكونت سان سيمون"، عالم اقتصاد وفيلسوف فرنسي (1760ـ 1825)
شارل فورييه، فيلسوف فرنسي (1772ـ 1837)
جيمس كلارك ماكسويل، عالم فيزياء ورياضيات اسكتلندي (1831ـ 1879)
آرنولد جوزيف تووينبي، مؤرخ بريطاني (1889ـ 1975)
أُسْوالد سبينغلر، فيلسوف ألماني (1880ـ 1936)
تشارلز روبرت داروين، عالم طبيعة إنجليزي (1809ـ 1882)
هيربيرت سبنسر، فيلسوف وعالم اجتماع إنجليزي (1820ـ 1903)
جورج ـ لويس لوكليرك، ولقبه "الكونت دي بوفون"، عالم طبيعة فرنسي (1707ـ 1788)