2009 - العدد الخامس
موسيقى ترحال

|

© يوسل يلديريمكايا
مشي وغناء في ريزِه (تركيا)
|
بعدما أُودِع فولكلورُ بريتانْيِه في غياهب النسيان لعقود عدة، ها هو يشهد اليوم انبعاثا مرموقا. وعلى مسافة نحو 2500 كيلومتر بعيدا عن بريتانْيِه تعود الأغاني التقليدية إلى بيوت الأناضول، بعدما هجرتها. "جسر على البوسفور" يصل اليوم بين موسيقيين من فرنسة وآخرين من تركية يتشاطرون نفس الأهواء ونفس الهموم.
في الصيف القادم، يقام في ريزِه (تركية) للمرة الرابعة "مهرجان المراعي الخضراء" الذي يستقبل هذه المرة موسيقيين أجانب. إنهم قادمون من فرنسة، لا فرنسة السيّاح، ولا فرنسة الحملات الدِبلوماسية التي اجتاحت وسائل الإعلام التركية في السنوات الأخيرة، بل فرنسة هواة الأغاني التقليدية، بلاد تسعى إلى معالجة المشكلات التي نشأت عن الهجرة الريفية، وإلى إعادة اللحمة إلى النسيج الاجتماعي.
صحيح أن التوسع الحضري والتصنيع وتجارة العروض الفيديوية والسينمائية لها سطوتها في تركيا كما في فرنسا: حيث يضيع الغناء في استعمال مفرط للتكنولوجيا، ممتثلا لعولمة برّاقة، مُذعنا لنظام النجومية. ولكن من حظ البلدين أنهما حافظا على جُزُر صغيرة حفظت الأصالة، في منطقة بريتانْيِه الواقعة في أقصى غربيِّ فرنسة وجها لوجه مع المحيط الأطلس، وفي منطقة ريزِه الواقعة في شماليِّ شرقيِّ الأناضول، حيث تبدأ منطقة القوقاز.
نهضة بريتانْيِه
|

© جون موريس كولومبيل
ليلة غنائية في القهوة في ريزِه.
|
في فرنسة لم يألُ أهل بريتانْيِه جهدا على مدى نصف قرن في سبيل إحياء ألوان تقاليدهم في الموسيقى والرقص والأعياد. بعدما انقطع الجيل الثاني عن ماضيه لفترة ما، بسبب التوسع الحضري، انطلق يبحث عن تراث أجداده. وانصبّ هذا البحث أولا على لغة بريتانْيِه الأصلية، ثم على الغالّو القريبة من الفرنسية. ولكن على مر السنين، تطورت النظرية والممارسات معا. ففيما مضى كان "مذهب الإحياء" بأيدي الباحثين، وقد تمثل هدفهم قبل كل شيء في تجميع المعطيات، وتحليلها، وفهمها، ونشرها. أما اليوم فإن هؤلاء المجمِّعين، كما يلاحظ أخصائي الإثنولوجيا الموسيقية إيف دفْرانْس، يريدون إلى جانب المضيِّ في هذا الاتجاه "أن يتملّكوا من جديد هذا الرصيد، وأن يحيِّنوه دون إخلال بروحه، ويجعلوه وسيلة تعبير معاصرة".
فأغاني الغالو، التي أودعتها الأنماط الحياتية الجديدة غياهب النسيان، لم تبقَ قطعا متحفية، ولا لُعَبا طريفة مكتومة على الجمهور، تستأثر بها أمسيات الأعياد التي تقيمها حفنة من مناضلي الثقافة. بل أصبحت تنمو يوما بعد يوم في مسابقات سنوية، وفي اجتماعات المنازل أو المقاهي، في الولائم القروبة، وفي رحلات التجوال التي تنظمها البلديات أو المدارس، في المدارس والمشاغل الموسيقية القائمة في الضياع والبلدات. وفي الوقت نفسه، بفضل إحياء الغناء التقليدي، تقام الروابط الاجتماعية من جديد في الأرياف، بين الشبان والشيوخ، بين العاملين والعاطلين عن العمل، بين الرجال والنساء.
بين المغنيّن الذين يسافرون هذه السنة إلى ريزِه أناس من عاملي هذه النهضة الأقوى أثرا. بعضهم، من أمثال شارل كيمبِرت أو فنسان موريل، ينتمي إلى رعيل الجمّاعين: فقد تلقّوا إعدادا جامعيا، ويشتغلون في إطار الـ Dastum، الهيئة الإقليمية المعنية ببحوث التراث غير المادي وصونه. وهم الذين أطلقوا في عام 1996 النشاط المعروف بتسمية "عيد الغناء التقليدي لبريتانْيِه وغيرها"، الذي يقام كل عام في بوفيل، بلدة صغيرة من بلدات بريتانْيِه، في جوار مدينة رينّ. وأناس آخرون ترعرعوا في رحاب الأغنية التقليدية، فهم قرويين من حَمَلة الذاكرة المحلية، كنوز حقيقية حيّة.
ويعود الفضل في تجمّعهم إلى حدوث أمطار جارفة: وقع ذلك في صيف 1997، حين كان ناشطو المهرجان على وشك القيام برحلتهم الغنائية، وانهمر فجأة وابل من المطر ألجأهم إلى المقهى الوحيد في بوفيل. وفي هذا المقهى كان جيل "المعلّمين المراجع في التراث" مجتمعين حول عُمَد من أمثال ليون ولويس بِرنْيِه. في نظر هؤلاء كان المهرجان "من شؤون الشبيبة". ولكن حين بدأت الشبيبة تغنّي، تعرّفوا أغانيهم التراثية. ومنذ ذلك الوقت صار هذا المقهى الصغير رمزيا لتلاقي الأجيال. وراح يستقبل، كل أول يوم جمعة من الشهر، تلاميذ مدارس ابتدائية، وطلبة ثانويات، ومعلمين، وكثيرا من أهالي المنطقة الآخرين، وحتى أناسا من باريس، صاروا يأتون خصيصا لقضاء ليلة في الغناء.
الغناء في شتى جوانب الحياة
|

© يوسل يلديريمكايا
بنية نموذجية للبحر الأسود وسط حدائق الشاي.
|
من الجانب التركي، يعود إلى إنسان نازح، هو بيرول توبالوغْلو، الفضل في يقظة الارتعاشات الأولى للعودة بالأغاني إلى مسقط الرأس، يقظة مشفوعة بوعي إيكولوجي قوي. إذ إنه، كما في مناطق تركية أخرى، كانت الضفاف المحصورة بين الجبال على جوانب المسيلات التي تجري نحو البحر الأسود، مقفِرة من أبناء الريف وقد نزحوا إلى المدن في طلب حياة مزعوم أنها أسهل، وكانت مهددة بالاندثار بسبب مشاريع مختلفة لبناء سدود.
هذا مع أنه، في الأمس غير البعيد، كانت الأودية تردد أصداء حفلات الغناء والرقص التي تقيمها الجماعات الريفية من أبناء هذه المنطقة، في المنازل الحجرية المنتشرة في الغابة. ولكنها، بسبب النزوح، غاصت في الصمت شيئا فشيئا. وهكذا شرع بيرول منذ عدة سنوات، منطلقا من رؤية تشمل معا حماية التراث من الانقراض، وحماية الأرض من غمر السدود، وصون المأثورات الشفوية، في تجميع ونشر وإحياء الرصيد التقليدي من التراث المحلي. ولا يضن بيرول في سبيل ذلك باستعمال شهرته كموسيقي متمركز في اسطنبول، وبالاستعانة بأصدقائه خارج البلاد.
يقام المهرجان السنوي خلال شهر آب/أغسطس، موجَّها إلى جميع فئات الجمهور، في وادي العاصفة، على منحدرات ريزِه الخضراء الزاهية الكثيفة النبات، التي تبرز فوق خضرتها المآذن كالزهور البيضاء. وينصب مسعى المهرجان هنا كما في بوفيل على الجمع بين الشبيبة والشيوخ، بين الذين بقوا في المكان والذين غادروه. يُمزَج الغناء في كل شيء: يرقصون وهم يغنّون، يمشون وهم يغنّون، يأكلون وهم يغنّون. وكما يقتضي التقليد، يُنظَّم تجميع الحكايات، وتقام ورشات للطبخ التقليدي، وتُجنى ثمار النباتات البرية... وليس قليلا اعتزازهم بأنهم حفظوا من الاندثار لغة اللازِه، لغة نادرة من مجموعة اللغات الجورجية.
نفس الهوى، ونفس المسعى، ومع ذلك كان اللقاء من غير المحتمَل: إذ أين تقع بوفيل ؟ وأين تقع ريزِه ؟ ولكن، بما أنهما خُلقت كلتاهما صنوا للأخرى، يسَّر لقاءَهما "جسرٌ على البوسفور"، رابطةٌ فرنسية لا تتوخّى الربح، أُسست من أجل المبادلات الثقافية مع تركية، ونشأت بفضلها حكاية الحب الجميلة هذه، العابقة بالموسيقى، المقدَّر لها كل فرص النجاح والاستمرار.
فرانسواز أرنود-دمير، فنانة أداء أغاني شعبية تركية، ومدرِّسة باحثة في معهد اللغات والحضارات الشرقية (INALCO) بباريس، أسست في عام 2004 الرابطة "جسر على البوسفور"، وهي رئيستها.