2009 - العدد الخامس
رهبان الغابة الصغيرة المحاربون

|

© معبد "شاولين"
يروج "كونغ فو" معبد "شاولين" القيم الثقافية والروحية
|
نشأت فنون القتال التقليدية الشهيرة "كونغ فو" في الصين، منذ 15 قرناً، على يد راهب بوذي من الهند. وبمرور الزمن، انتشرت هذه الفنون في كوريا وفيتنام والفيليبين وماليزيا واليابان وغيرها من البلدان حتى صارت، ابتداءً من خمسينات القرن الماضي، موضة شائعة تثير أحلام الشباب في جميع أرجاء العالم. ويُعتبر ذلك بمثابة "عولمة" لا تحترم دائماً القيم الذاتية لهذه الفنون التقليدية.
في إطار المهرجان الدولي للتنوع الثقافي، الذي نظمته اليونسكو في مايو/ أيار الماضي، جاء إلى باريس وفد من رهبان معبد "شاولين" (أي: "الغابة الصغيرة") للترويج للقيم الثقافية والروحية لفنون القتال التقليدية "كونغ فو". وضم هذا الوفد رئيس الدير شي يونغ شي الذي شرح لزميلتنا ويني كوهابي كيف أن معبد شاولين نشا عن المبادلات الثقافية، ولماذا بات من الضروري الحفاظ على أنشطته التي تجعل منه ملاذاً آمناً للروح الصينية.
ما هو باختصار الأصل الذي نشأ عنه معبد شاولين والتطورات التي شهدها؟
أنشأ الإمبراطور شياو ون، من أسرة واي الشمالية، معبد شاولين في عام 495 على سفح جبل "سونغ"، وذلك تخليداً لذكرى الراهب الهندي با توو.
وبعد ذلك، وصل راهبان هنديان إلى "شاولين" ، هما راتناماتي وبوذاروسي، وأقاما فيه مراكز لترجمة الشرائع البوذية، وهو ما جعل من هذا المعبد مركزياً أساسياً للديانة البوذية الصينية في ذلك العصر.
وفي وقت لاحق، أتى الراهب الهندي بوذا دارما إلى المعبد؛ وقد زعم هذا الراهب أنه يسعى إلى "العودة إلى المنبع الذي نشأ عنه بوذا"، ولذلك وضع في مقدمة تعاليمه هذا القول المأثور:"إن التأمل يفيض في القلوب؛ اِعرَف طبيعتك على حقيقتها وكُنْ بوذا". ثم أنه أنشا مذهب "شان" (أي التأمل) في المعبد، وهو عبارة عن مجموعة من الأفكار البوذية تلاءمت مع الفكر الصيني أثناء انتشار الثقافة البوذية [يُطلق على هذا المذهب في اليابان اسم فلسفة " الزِّن" (المحرر)].
أما الآن، فإن معبد شاولين يُعتبر رمزاً لا للديانة البوذية الصينية فحسب، بل يُمثل أيضاً رمزاً للثقافة التقليدية الصينية.
ما هي المنابع التي نشأت عنها فنون "كونغ فو" وما هي صلات هذه الفنون بالديانة البوذية؟ 
|

© معبد "شاولين"
شي يونغ شي، رئيس الدير
|
لما كان "شاولين" معبداً إمبراطوريّاً، فقد تمتع بثروات هائلة. غير أن الصين عانت الكثير من نشوب حروب متتالية في السنوات الأخيرة من حُكم أسرة سوي (581 ـ 681). وتبعاً لذلك، فقد تدرب عدد من الرهبان على ممارسة فنون القتال التقليدية من أجل الدفاع عن ممتلكات هذا المعبد الثمينة.
هذا، وتتلخص فنون "كونغ فو" في كونها طريقة اتبعها رهبان معبد شاولين للوصول إلى معرفة عميقة بالحياة البوذية والحكمة، أي حياة التأمل التي دعا إليها مذهب "شان". ففنون كونغ فو، إذن، هي عبارة عن طريقة في التأمل تلتزم بتعاليم مذهب "شان"، وذلك عن طريق ممارسة فنون القتال التقليدية وإخضاع هذه الفنون لتعاليم هذا المذهب.

|

© "معبد شولين"
تود سلطات معبد شولين إدراج "كونغ فو شولين" على قائمة التراث العالمي.
|
من الواضح أننا نشاهد، في العالم، ازدهاراً في مجال إنشاء مدارس ورابطات تحمل اسم "معبد شولين". فما هي الوسيلة الكفيلة بالحفاظ على القيم القديمة العهد لفنون كونغ فو النابعة من شولين لمواجهة هذه الظاهرة؟
الواقع أنه يوجد في العالم العديد من المؤسسات الخاصة بتعليم الفنون القتالية النابعة من شولين. وقد أنشأ معبد شولين عدداً من هذه المؤسسات؛ كما أننا منحنا تراخيص لإنشاء عدد آخر بعد فحص الطلبات الخاصة بذلك. غير أن معظم "دور شولين لفنون القتال" تم إنشاؤها بطريقة تلقائية.
وحيث أنني لم أقم بزيارة معظم هذه المؤسسات، فليس في وسعي إبداء رأي بشأنها. غير أن الشيء الأكيد هو أننا نرفض استخدام اسم معبدنا على نحو مخالف للقانون؛ فقد يؤدي ذلك إلى تعريض تقاليدنا للخطر.
إننا نبذل جهداً دءوباً لحماية تراث شولين الثقافي. فقد أنشأنا منظمة أنيط بها إدارة ومنح اسم "معبد شولين"، كما أننا قدمنا إلى اليونسكو طلب ترشيح من أجل إدراج هذا الاسم في قائمة التراث العالمي غير المادي. وستتيح هذه الخطوة اتخاذ الإجراءات القانونية عند الضرورة، وجمع النصوص، وترتيب الوثائق، وبذلك يكون من الممكن تأمين نقل التراث الحي لهذه الفنون العريقة في القدم على نحو أفضل. ويجب، إذن، معرفة أن قواعد نقل المعارف والممارسات الخاصة بفنون كونغ فو من جيل إلى آخر يتم تنظيمها تنظيماً صارماً، وذلك منذ القرن الثالث عشر؛ وكان الراهب فو يو، رئيس الدير، هو الذي وضع هذه القواعد. ومنذ ذلك الحين، تم إعداد 70 جيلاً من معلمي البوذية في شولين.