ISSN 1993-8616

2009 - العدد الخامس


جولة في العالم على خيوط من حرير





© اليونسكو/ ميشال رافيسار
زراعة التوت وتربية دودة القز في تايلند منذ القرن الثالث عشر.

شهدت صناعة الحرير التقليدية في تايلاند، التي تدنت في النصف الأول من القرن العشرين، انطلاقة جديدة في خمسينات هذا القرن، وذلك بفضل أحد الأمريكيين اسمه جيم تومسون. وقد شاركت تومسون في إحياء هذه الصناعة شابة تايلاندية هي الملكة سيريكيت. ومازال هذا الفن، الذي يجمع في الوقت الحاضر بين الصناعات الحرفية وفنون التصنيع الحديثة، ينتقل من جيل إلى آخر، مما يُسهم في تحقيق التنمية في هذا البلد.







الشمبانيا والحرير: زواج ملكي

في عيد الفصح عام 1967، اختفى رجل أعمال أمريكي، مقيم في تايلاند، في الغابات الماليزية في ظروف لم يُكشف عنها النقاب حتى الآن. واستأثر هذا الحدث الغامض باهتمام وسائل الإعلام وعامة الجمهور في آسيا وأمريكا ومناطق أخرى من العالم. وذلك أن هذا الرجل تمتع بشهرة واسعة بحيث أنه كان يتسلم رسائل لا تحمل سوى هذا العنوان "جيم تومسون، بانكوك"، في حين أنه كان يسكن وسط ثلاثة مليون نسمة من سكان العاصمة التايلاندية.

وفي أثناء السنوات العشرين التي سبقت مصيره المحتوم في ماليزيا، حقق جيم تومسون ما لم يستطع أحد أن يحققه في حياة بأكملها. فقد تخصص في فن كان يجهل كل ما ينطوي عليه من جوانب، فأنشأ صناعة ضخمة للحرير في تايلاند. ويُعتبر منزل تومسون في بانكوك، الذي يضم كنوزاً فنية تايلاندية، تحفة في الفن المعماري.

تلك هي مسيرة تُعتبر بمثابة رواية تصف إنجازاً شخصياً رائعاً ومصائر أناس كثيرين تغيّرت على مر السنين. وذلك أن اسم جيم تومسون هو اليوم اسم لمؤسسة تايلاندية مزدهرة اكتسبت شهرة عالمية، حيث أن منتجاتها تملأ أجمل واجهات المحلات التجارية في المدن الضخمة وتُزيّن الكثير من الفنادق والمطاعم في جميع أنحاء العالم.

حرير بانكوك يدور حول العالم


© اليونسكو/ ميشال رافيسار
مشهد من أداء تايلاندي في 18 أيار / مايو في اليونسكو ، وذلك كجزء من المهرجان الدولي للتنوع الثقافي.

اكتشف جيم تومسون، الذي كان مهندساً معمارياً، تايلاند في عام 1945. فقد عُيّن ضابطاً في الجيش الأمريكي المرابط في هذا البلد. وفي ذلك الوقت، كانت مدينة بانكوك تضم عدداً قليلاً جداً من العمارات والسيارات؛ وكان لقنوات المياه هناك أهمية بالغة. وبعد تسريحه من الخدمة العسكرية، قرر تومسون الإقامة في هذه المدينة نظراً لأنه أحس بميل إلى جمال أسواقها وجذبته بشاشة سكانها.

ومنذ وصوله إلى تايلاند، أخذ تومسون في جمع قطع الحرير التايلاندي. فقد استهوته روعة التآليف بين شتى ألوان الحرير ونسْجه غير المنتظم، مما يميّزه عن أنواع الحرير اليابانية أو الصينية التي تتسم بقدر أكبر من النعومة. ويعود هذا الفرْق إلى نوعية دود الحرير.

وعلى الرغم من أن أحد الدبلوماسيين الصينيين أثبت، منذ القرن الثالث عشر، أن التقاليد السيامية الخاصة بزراعة أشجار التوت وتربية دود الحرير كانت سائدة في تايلاند، إلا أن تومسون، المهندس المعماري الأمريكي، هو الذي أضفى على الحرير التايلاندي طابع الأصالة الجدير به. وذلك أنه عندما قرر الإقامة في بانكوك، كان الذين يعملون في صناعة نسْج الحرير قليلين جداً: فلم يكن يمارس هذه الصناعة إلا بعض السكان المسلمين القاطنين في حيّ بينكروا. وعندما قرر تومسون تسويق الحرير التايلاندي، أقام صلات مع هؤلاء الصناع. ولم يطمئن كثير منهم إزاء هذه الصلات؛ غير أن أحد رؤساء الأسر قرر، بدافع من الفضول، المشاركة في هذا المشروع. وكان ذلك بداية مغامرة كبرى.

وفي عام 1947، سافر تومسون إلى نيويورك ومعه حقيبة ممتلئة بعينات من أقمشة حريرية. وهناك أبدت إحدى ناشرات جرائد الموضة إعجاباً شديداً بهذه الأقمشة، ولم تتردد في تقديم دعمها إلى تومسون. وعندما رجع هذا الأخير إلى تايلاند، أنشأ شركة كان هو مديرها وصاحب أكثرية الأسهم فيها. وقد أدار هذه الشركة بطرق تجديدية، وأعطي الأولوية في التعيين للنساء اللاتي كان يأذن لهن بالعمل في بيوتهن حتى لا تضطرب حياتهن العائلية. وقد أدخل تعديلات مهمة على أساليب الصناعة، واستبدل الأصباغ النباتية بالأصباغ الكيماوية، مع مراعاة ألوان الحرير التقليدية.

وفي بداية خمسينات القرن الماضي، افتتح تومسون محلاً تجارياً في بانكوك حقق نجاحاً باهراً. وبعد ذلك بفترة وجيزة، استقبل الملكة سيريكيت التي لم تدخر وسعاً لتعزيز الصناعات الحرفية والتراث الثقافي في تايلاند. وصارت الملكة هي زبونة تومسون الأكثر شهرة وتأثيراً. ففي زياراتها الرسمية إلى خارج البلاد، كانت الملكة ترتدي أثواباً مصنوعة من الحرير التقليدي التي استرعت انتباه مصمم الأزياء الفرنسي المشهور، بيير بالمان. وفي الساحل المقابل للمحيط الأطلسي (الولايات المتحدة)، بدأت إيرين شرف، التي صممت أزياء اكوميديا موسيقية بعنوان "الملك وأنا"، كتبها المؤلف الأمريكي والتر لانغ، إنتاج سلسلة كاملة من الأفلام ساهمت في تعزيز شهرة الحرير التايلاندي. ومن ثم، تدفقت الطلبات على هذا النوع من الحرير من كل صوْب.

صون التقاليد


© اليونسكو/ ميشال رافيسار
فن الحرير التايلندي، عرضته اليونسكو كجزء من المهرجان الدولي للتنوع الثقافي (أيار/ مايو 2009).

منذ بداية سبعينات القرن الماضي، قامت صناعة الحرير في إقليم خورات الواقع في شمال ـ شرق تايلاند. وأثناء جولاتها في هذه المنطقة الزراعية الفقيرة ذات المناخ الحار، قدّرت الملكة سيريكيت المصاعب التي كانت تواجه الفلاحين هناك؛ فاقترحت عليهم إحياء صناعة نسج الحرير واستخدام الأصباغ التقليدية. وفي عام 1976، أنشأت الملكة مؤسسة SUPPORT، التي استهدفت تطوير أنشطة الصناعات الحرفية في المناطق الريفية، وصون تقنيات الصناعة القديمة. وفي الوقت الحالي، تمتلك نحو ألف أسرة حقولاً لأشجار التوت، وتقوم بتربية دود الحرير في محل إقامتها. وتُباع الشرانق، التي تنضج في غضون 23 يوماً، في مزرعة جيم تومسون.

وفي أيامنا هذه، يتم نسْج الحرير، الذي يمثل المرحلة الرئيسية في هذه الصناعة، على يد 600 نسّاج من الذكور والإناث، الذين ينقلون مهاراتهم في هذا المجال من جيل إلى آخر. وتجري عملية طبع الأقمشة الحريرية باستخدام القوالب الخشبية والطابعات الرقمية على السواء، وبذلك يتم الجمع بين جوانب التراث والمعاصرة. أما مراقبة الجودة وعمليات الاستكمال اليدوية، فهي من الأمور الضرورية التي تشكل توازناً مناسباً فيما بين الصناعات الحرفية وفنون التصنيع الحديثة.

لقد توقع تومسون، الذي تحوّل إلى رجل أعمال، أن تسهم هذه المغامرة الكبرى التي ميّزت صناعة الحرير التايلاندي في تحقيق الرخاء في هذا البلد. وفي الوقت الحالي، يمثل التايلانديون 90℅ من المساهمين في شركة جيم تومسون، ثُلثهم من أبناء وأحفاد الرعيل الأول من النساجين المسلمين القاطنين في حيّ بينكروا.

من محاضرة ألقاها في اليونسكو إيريك ب. بوث، الذي يعمل في شركة "جيم تومسون للحرير التايلاندي"، وذلك خلال مهرجان التنوع الذي أقيم في شهر أيار/ مايو الماضي.