ISSN 1993-8616

التصحر - حزيران/يونيو 2006


النباتات العطرية والقش: الوجه الحقيقي لمنطقة حوض المتوسط






© سي. أونيانز
ندرة المطر تؤدي إلى جفاف أراضي قبرص الزراعية

تعرضت المشاهد الطبيعية في جزر المتوسط لأعمال إزالة الغابات وظواهر التصحر منذ العصور القديمة. كما أن تنامي حركة السياحة والزراعة يؤديان اليوم إلى تناقص تدريجي في موارد المياه الجوفية، وقد يتسببان في تسارع ظاهرة التصحر.










وبالنسبة إلى مئات آلاف السياح القادمين من أوروبا الشمالية لزيارة منطقة حوض المتوسط سنوياً، فإن بساتين الخروب وسهول الأشجار الخفيضة التي تحيط بالعديد من المواقع الأثرية تشكل المشهد الطبيعي الأكثر انتشاراً في المنطقة.

بيد أن زيارة إلى متحف التاريخ الطبيعي سرعان ما تكشف لنا أن هذا المشهد غريب عما كان يراه الأقدمون. فلقد كانت الجزر الرئيسية المواجهة للبحر، حتى العصور القديمة، تحوي جبالاً مكسوة بالغابات، تأوي أفيالاً ووحيدي القرن.

كما أن النباتات والأعشاب العطرية التي نرى فيها اليوم المشهد الأكثر تمثيلاً لمنطقة المتوسط نتجت بشكل رئيسي عن قيام الإنسان بإزالة الغابات البدائية لأغراض الزراعة والتدفئة وبناء المنازل والسفن.

لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد – إذ أن تآكل التربة قد يؤدي تدريجياً إلى ظهور سهول قاحلة وشبه قاحلة لا تصمد فيها سوى النباتات الشائكة والبرواق، رمز الجحيم لدى الأقدمين.

تشمل جزيرة قبرص السياحية، الواقعة عند الطرف الشرقي للمتوسط، الحيوانات والنباتات الأكثر تنوعاً في المنطقة، بفضل عزلتها النسبية التي تجعل منها أحد البلدان الأكثر غنىً من حيث الأنواع الحيوانية المستوطنة في أوروبا.

غير أن الرياح الربيعية الجنوبية القادمة من أفريقيا المجاورة تجلب معها الرمال الصحراوية من مصر وليبيا مما يذكّر بهشاشة النظم الإيكولوجية في الجزيرة.



© سي. اونيانز
الجفاف يقضم الأرض الزراعية جنوب العاصمة نيقوسيا وعلى بعد 30 كلومترا عن البحر

التغيرات المناخية

وفي عام 2000، وقعت قبرص على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وأحالت تقريرها الأول بهذا الشأن بعد عامين، محددة التهديدات الرئيسية لتلك النظم، كالتغيرات المناخية، وتآكل التربة، والاستغلال المفرط للمياه، وتأثير النشاط الإنساني.

كما يشير تحليل بيانات أحوال الطقس العائدة للقرن الماضي إلى أن الجزيرة تزداد حرارة بمعدل 0.01 درجة مئوية سنوياً وتزداد جفافاً بحوالي ملليمتر سنوياً من حيث كمية هطول الأمطار. وعلى الرغم من أن معدل الجزيرة من الأمطار أو الثلوج يناهز بشكل عام 480 ملليمتر سنوياً، غير أن أجزاء كبرى من الأراضي تتلقى أقل من 200 ملليمتر.

وتشكل التلال الجنوبية الواقعة عند سفوح سلسلة جبال ترودوس وسهل ميساوريا، بين العاصمة نيقوسيا ومدينة فاماغوستا الشرقية، المناطق الأكثر تأثراً والأكثر عرضة للتصحر.

كما أن الاستخدام المفرط للمياه لا ينفك يتزايد في ظل تكثيف النشاط الزراعي في الجزيرة.

وقد ورد في أحد تقارير الحكومة أخيراً اعتراف بأن "الاستغلال المفرط للمياه الجوفية يؤدي عادة إلى تداخل البحر وتدمير الطبقات الصخرية المائية، مما يفاقم مشكلة التصحر".

ونشط حزب الخضر الناشئ في الجزيرة، والمشارك في الائتلاف الحكومي الحالي، للتصدي لهذه المشكلة من خلال الضغط لتعزيز الأبحاث بشأن مسألة تهدد إلى حد كبير ليس فقط البيئة الطبيعية للجزيرة وإنما أيضاً الآفاق والإمكانات السياحية.

وصرح الناطق باسم الحزب كوستاس باباستافروس قائلاً: "هناك منظمة تعمل على أسس علمية لتيسير مراجع ووثائق يمكن الركون إليها بشأن مستوى التصحر في قبرص. وعلينا التعمق في مختلف أبعاد هذه القضية. فمسألة المشاهد الطبيعية تمثل محوراً حيوياً بالنسبة إلى القطاع السياحي".

الزراعة المستدامة

كما أن مجموعة صون المواقع "بيردلايف سايبرس" Birdlife Cyprus شرعت في دراسة بحثية بهذا الخصوص، لكن مفتاح الحل، بالنسبة إلى مديرها مارتن هليكار، يتمثل في الزراعة المستدامة، إذ يقول: "الثغرة قائمة على مستوى إدارة المياه. لقد أصبحت الزراعة في قبرص على مدى الأعوام العشرين أو الثلاثين الماضية أكثر فأكثر افتقاراً للمياه. والسؤال الذي يطرح نفسه هو معرفة ما إذا كان هذا الوضع قابلاً للاستمرار. ما يحصل اليوم هو أن بعض المناطق تخضع لنشاط زراعي مكثف ومتواصل في حين أن المزارع النائية في المرتفعات تخضع أكثر فأكثر للإهمال. وهذا ما لا نريده على الإطلاق".

آرتميس يوردانلي تترأس مجموعة مراعاة البيئة "تيررا سيبريا" Terra Cypria الناشطة لوقف حركة نزوح الشباب من المناطق الريفية المهمشة من خلال إدراج مفاهيم التنمية المستدامة، كالسياحة الزراعية. وهي تقول: "ما من شك في أن إزالة الغابات في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين هي من صنيع الإنسان. ويتم حالياً التخلي عن عدد متزايد من الأراضي التي كانت مخصصة للزراعة. كما أن البعض بدأ بالعودة إلى الغابات لمزاولة نشاطه شرط أن تكون هذه الغابات قائمة في المرتفعات، في حين يذهب البعض الآخر إلى المناطق المنخفضة، بالأخص إذا كانت لديه ماشية تحتاج للمراعي. والانعكاسات المترتبة على التنوع البيولوجي لا تحتاج لشرح أكثر".

منذ الثمانينات، أطلقت الحكومة حملة لزرع الأشجار في الأراضي الخالية، لا سيما تلك التي تعاني من أقصى حالات التردي. ونجحت بحلول عام 2001 في زرع 4،300 هكتار في سياق برنامجها، في حين يتوقع زرع 000 10 هكتار إضافي على مدى العقد الحالي.

لكن المسألة ما زالت معقدة، وقد برزت بعض الانتقادات إزاء هذه الخطة. فبحسب مارتن هليكار، "ليس بالأمر الإيجابي أن تكون الأشجار جزءاً ضرورياً ودائماً من المشهد الطبيعي. فبعض أنواع الطيور، كالقبرة والكروان، التي تكتسي أهمية على المستوى الأوروبي، تحتاج على مشاهد طبيعية أكثر جفافاً وخلاءً.
ستيف كيربي