ISSN 1993-8616

التصحر - حزيران/يونيو 2006


حلم المياه يصبح واقعاً water






© د. بشرى سالم
جهاز تحلية المياه بواسطة الطاقة الشمسية

عمل العلماء على إيجاد حلول لمحمية العميد للمحيط الحيوي، في مصر، عبر تقويم احتياجات جماعة البدو المقيمة فيها. فكان أن وجدوا حلا في متناولهم عبر تحلية المياه الجوفية المالحة بوساطة الطاقة الشمسية. فحيث كانت قطرة الماء تساوي ذهبا أصبحت المياه في متناول أبناء المحمية نشيدا من أناشيد الحياة.








كان اجتماعنا الأول في خيمة حاشدة للبدو. قصدنا هذا المكان، نحن العلماء العاملين في مشروع "الإدارة المستدامة للأراضي الجافة الهامشية" في مصر، لتقويم احتياجات جماعة البدو المقيمة في محمية العُميد للمحيط الحيوي وتقديم مساعدتنا. كنا نسعى في البداية إلى توفير المشورة للمجموعات السكانية التي تعاني من الفقر جراء الإفراط في استغلال المراعي واقتلاع النباتات المحلية القليلة المنتشرة هنا وهناك. اعتقدنا للوهلة الأولى أننا سنساعد تلك المجموعات على اعتماد عدد من الأنظمة الدورية المخصصة للمراعي والزراعة الجافة، بهدف تحسين شروط عملها بشكل مستدام، وأننا سنكسب منها بعض المهارات التقليدية لمعالجة موجات الجفاف.

لكن أفكاراً أخرى كانت تراود أفراد الجماعة. وقد سارع أحد الصبية لدى استقبالنا بالقول: "سنأخذ بمشورتكم ونساعدكم، لكن أعطونا ماء الشفة أولاً !" وتابع أحد البدو قائلا: "المياه كالذهب بالنسبة إلينا، إنها مورد قيّم جداً ويصعب الحصول عليه. فالمياه في آبارنا عالية الملوحة. نتزود بالمياه العذبة بواسطة الشاحنات ونجتاز مسافات كبرى للعثور عليها". وانضمت إلينا امرأة طاعنة في السن، وقد ملأت التجاعيد وجهها، لتضيف: "نجتاز 10 كيلومترات سيراً على الأقدام وعلى رأسنا دلو لنقل المياه. عدد السكان يواصل نموه، وحاجتنا إلى المياه أيضاً. أنتم الأناس المتحضرون، ساعدونا. نحتاج إلى المياه وليس إلى قمصان كتب عليها "احموا البيئة !"



©د. بشرى سالم
توزيع المياه في المحمية

مياه أغلى من الذهب

كنا ندرك جميعاً أن جماعة البدو تواجه وضعاً حرجاً. فمحمية العُميد للمحيط الحيوي تشكل جزءاً من صحراء الساحل الغربي في مصر، الواقعة عند طرف ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية. لكن الموارد المائية شحيحة وغير متكافئة. تنتقل المياه الجوفية في محمية العُميد للمحيط الحيوي من الطبقات المختزنة بالماء في منطقتي المغرة ووادي النترون، اللتين تحتويان على مياه مالحة بفعل الإفراط في عمليتي الاستخراج والارتشاح. وفي القرى الأربع التي تشملها المحمية، التي تحصي حوالي 000 12 نسمة، لا يتوفر ما يكفي من المياه العذبة للري وتغذية الماشية وتلبية الاحتياجات المنزلية، مما يدفع بالعديد من الناس إلى استخدام مياه الآبار المالحة والمضرة بالبيئة. أما بالنسبة إلى ماء الشفة، فكثر يجتازون مسافات طويلة ويدفعون ثمناً باهظاً للحصول على المياه الموزعة بواسطة الشاحنات. لكن هذه المياه تصاب بالتلوث جراء تخزينها في صهاريج مكشوفة تآكلها الصدأ، مما قد يتسبب في أمراض معوية خطيرة.

وكان التحدي الماثل أمام مشروع "الإدارة المستدامة للأراضي الجافة الهامشية" خلال الاجتماع واضحاً. فإن أردنا إشراك أهالي قرى محمية العُميد للمحيط الحيوي في مشاريعنا لصون الأراضي الجافة، كان علينا اقتراح حل لمعالجة النقص القائم في المياه المأمونة، أي مشروع لإزالة الملوحة في مياه آبارهم. وعلى الرغم من استخدام تكنولوجيات إزالة الملوحة على نطاق واسع ولسنوات عدة في مصر، غير أن تلك الوسائل لم تكن واسعة الانتشار بعد على نحو يتناسب مع احتياجات البدو. وكانت استدامة العملية في المحمية تتوقف على ضخ المياه بكميات تتيح امتلاءها الطبيعي ثانيةً. كما كان يتعين علينا إيجاد تقنية بسيطة ونظيفة، تراعي البيئة وتنسجم مع الثقافة المحلية، على أن تستخدم حداً أدنى من الطاقة. باختصار، كان يجب أن تتلاءم مع الظروف الطبيعية وتستدعي المستوى الأدنى من الصيانة.



أغاني الحياة

ولحسن الحظ أن هذه التقنية كانت متوفرة أصلاً، وتتمثل في نظام إزالة للملوحة قائم على الطاقة الشمسية. كان النظام يلبي جميع المعايير المذكورة أعلاه، وقد وضعه عالم ألماني. ومن خلال الدعم القوي الذي وفرته الجماعة، أطلق مشروع رائد في قرية أولاد جبريل التابعة لمحمية العُميد للمحيط الحيوي. وأسهم السكان فيه بكل ما أتيحت لهم من إمكانات، واهبين أرضاً بمساحة 150 متر مربع تشمل بئراً للمياه المالحة، لإقامة وحدات إزالة الملوحة، ومبنى صغيراً ومضخة. وقد بدأ النظام بالعمل: فجاذبية الأرض تدفع بالمياه من الشاحنة إلى أربع وحدات تقطير تقوم بفصل الملح عن المياه باستخدام الطاقة الشمسية. ويتم إنتاج ما بين 100 و120 لتراً من الماء المقطرة يومياً تبعاً لكمية الضوء الشمسي. وحتى في الأيام الملبدة بالغيوم، يتوفر ما يكفي من المياه لتلبية خمس عائلات – 40 إلى 50 شخصاً – بمياه الشفة. كما أن النظام ينتج بلورات من الملح يمكن استخدامها لدباغة الجلود.

وسعياً لتأمين أكبر مشاركة ممكنة في هذا المشروع، قمنا بتنظيم يوم مفتوح وورشة عمل في قاعة اجتماعات الجماعة، وفي الموقع لاحقاً، لشرح كيفية عمل النظام بشكل مفصل، والتركيز على أهمية الحفاظ على شروط الصحة العامة للمضخة وشاحنة المياه العذبة. كما نظمنا دورة خاصة لأعضاء الجماعة المكلفين بصيانة الموقع. وأبدت جماعة البدو تقديرها الكبير لهذه المبادرة، لا سيما النساء اللواتي أظهرن سعادتهن لتوفير المياه المأمونة لأطفالهن. كما عبرت الجماعة عن سرورها من خلال الأغاني التي تقول إن "الحلم بالحصول على مياه تسيل بسهولة أصبح واقعاً".

الدكتورة بشرى سالم : أستاذة مساعدة في قسم العلوم البيئية، كلية العلوم، جامعة الإسكندرية – مصر
أندريا شنايدر مدير الموارد والمصروفات، Clear Water Solutions، سويسرا - مصر