العدد السادس 2007
الهوية المحفورة في الصخر

|
 © اليونسكو/ توماس دوسون
الذرافة والغزال والأس المرقط
|
أضيف موقع "تويفيلفونتين" للنقوش الحجرية إلى قائمة التراث العالمي أخيراً. وفي فترة ما قبل التاريخ، كان سكان هذا الوادي الواقع في ناميبيا قد اختاروا صخور الموقع الضخمة والمدوَّرة للكشف عن نظرتهم للعالم.
في وادٍ ناءٍ ومعزول من البيئة شبه الصحراوية في الوسط الغربي لناميبيا أكبر مجموعة من النقوش الحجرية في منطقة جنوب إفريقيا برمتها... أحد المواقع النادرة جداً والذي يُعرف بتسمية شائعة وإن مغلوطة، "تويفيلفونتين"، التي تعني باللغة الأفريقانية المستخدمة في جنوب إفريقيا وناميبيا بـ"الينبوع المشكوك في وجوده" نسبةً لقلة المياه المتوفرة في الوادي لقاء عدد السكان. لكن هذا الينبوع كان في الواقع كافياً لتلبية الاحتياجات في ذاك الزمن. وينتاب المرء شعور بالدهشة لدى المرور في الوادي بأرضه الرملية الرحبة وقاع نهره الجاف. وتزداد الدهشة لدى رؤية الصخور الضخمة المدوَّرة على جانبيه وكأنها على وشك السقوط إلى الأسفل. على تلك الصخور بالذات، اختار سكان العصور القديمة الكشف عن نظرتهم للعالم.
وبتنا نعلم اليوم على أثر الحفريات التي قام بها د. إريك فاندت، أحد أول علماء الآثار في ناميبيا، أن نوعين من الشعوب أقاما في الوادي لفترات طويلة من الزمن قبل المرحلة الاستعمارية الأوروبية. كما تشير الآثار إلى أن أول الشعوب التي أقامت في المكان كانت تعيش من أنشطة الصيد والقطف، وتذكّر الآثار بالعصر الحجري المتأخر العائد إلى ما بين 6000 و2000 عام من الزمن. لقد أنتجت هذه الشعوب التي تنتمي إلى العصر الحجري معظم النقوش الصخرية، ولربما الرسوم التي نشاهدها اليوم أيضاً، وتظهر مجموعات أيقونية وحيوانات وبشراً. ثم وصلت المجموعة الثانية من السكان إلى الوادي، قبل نحو 2000 إلى 2500 عام، وكانت تدعى "كوكوان"، وتعيش من تربية الماشية، وتنتج الأواني الخزفية. لكن النقوش الحجرية التي خلّفها رعاة القطعان تختلف عن نقوش الصيادين والقطافين إذ أنها تمثل أشكالاً هندسية، وتشمل في موقع "تويفيلفونتين" الدوائر والصفوف والصفوف المنقطة.
وتتفاوت التقديرات بشأن عدد النقوش والرسوم الموجودة في موقع "تويفيلفونتين" لأنه من الصعب، بل ومن المستحيل، إعداد إحصاء نهائي بها. ولقد سبق أن أفاد إرنست شيرتز، الذي أنتج وثائق لم يتجاوزه فيها أحد لعدد النقوش الصخرية في ناميبيا، بأن هناك حوالي 2500 نقش صخري، علماً أن التقديرات الحديثة أفادت عن وجود أكثر من 5000 رسم. وإذا كانت المعلومات غزيرة بشأن النقوش والرسوم التي أنتجها الصيادون والقطافون في جنوب أفريقيا في الزمان القديم، فهي نادرة فيما يتعلق بالأشكال الهندسية الغامضة التي تركتها مجموعات الرعاة. وفي الواقع أن هذا التمايز برز حديثاً بفضل أعمال سفان أوزمان وبنجامين سميث، الباحثين في مجال النقوش الحجرية في جنوب إفريقيا، مما أتاح فهماً أكبر للشعوب القديمة في هذه المنطقة.

|
 © اليونسكو/توماس دوسون
الطلاب في جامعة ناميبيا يعملون على نسخ النحوت
|
الصيد: حوار خاص بين الكائنات الحيَّة البشرية وغير البشرية
تكشف الرسوم والنقوش التي نراها اليوم في جنوب أفريقيا، والتي ننسبها إلى الصيادين والقطافين، عالماً كانت فيه الكائنات البشرية والكائنات غير البشرية على اتصال فيما بينها، في سعيها للحفاظ بشتى الطرق على "سيل القوة الخارقة للطبيعة" القائم بين مكوّنات هذا العالم. فلقد كان تواصل هذا السيل بين الحيوانات على اختلافها، وسائر الكائنات المفعمة بالحياة والنشاط، والكائنات التي تعوزها الحيوية، والبشر، يكتسي أهمية جوهرية في نظر الصيادين والقطافين القدامى لإعادة إنتاج العالم الذي كانوا يعيشون فيه.
وكان ينطلق هؤلاء من أن البشر، سواء كانوا من الصيادين أو القطافين أو كهنة الشامان أو الأمهات أو الآباء أو أطفالهم، إنما هم كائنات واعية، ويشاركون بشكل وثيق ونشط، من خلال علاقاتهم اليومية ببعضهم البعض وبالمناظر الطبيعية المحيطة بهم، في أنشطة تجديد العالم. وكانت هذه الأنشطة تشمل الصيد والقطف والعلاقات الجنسية وغيرها. تلك هي تحديداً الأنشطة البشرية التي نراها في الرسوم الصخرية. ويشكل الصيد أيضاً محوراً مشتركاً لتلك الرسوم في جنوب إفريقيا، بما فيها رسوم "تويفيلفونتين". ولفترة طويلة، كان يُعتقد أن رسوم الصيد و/أو معدات الصيد تعكس سعي الصيادين-القطافين للحصول على الغذاء. لكن فهمنا أخيراً لنظرة الصيادين والقطافين لأنشطة الصيد يثبت لنا اليوم أن هذا التفسير ساذج للغاية. فالصيد يكشف في الواقع عن حوار قائم بين كائنين واعيين في هذا العالم: الكائن البشري والكائن غير البشري. فالصيد بالنسبة إلى الصيادين-القطافين لا يقتصر على اقتناء الطعام وإنما ينمّ عن مهارة في الانخراط في هذا العالم لضمان استمرار سيل القوة الخارقة للطبيعة. وإذا كان الصيد يوفر الطعام والسند، فإن الصياد يضمن ومجتمعه التصرف باحترام إزاء هذه الهبة. ويعتبر عالم الإنسان الكندي ماتياس غونثر الذي يُعنى بهذه المجتمعات منذ عقود عدة أنه في هذا السياق "لم يغب عن أنشطة الصيد شعور بالتعاطف والاعتراف الضمني بأن الحيوان كائن أخلاقي وواعٍ شبيه بالإنسان".

|
 © اليونسكو/توماس دوسون
|
عالم غير مألوف
من اللافت أن النقوش الصخرية، لا سيما تلك الموجودة في"تويفيلفونتين" تشمل القليل من الأشكال البشرية، وأن معظمها يمثل الحيوانات والآثار التي تخلّفها وراءها. واللافت أيضاً أن رسوماً كثيرة لا تمثل الحيوانات وآثارها كما هي في الواقع، وغالباً ما تشير إلى مقومات تثبت لنا أننا نتعاطى هنا مع شيء غير مألوف في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى العلاقة القائمة اليوم بين البشر والحيوانات. ذلك أن عدداً من رسوم الحيوانات يُظهر مقومات "وهمية". فلوحيد القرن مثلاً قرن كبير مبالغ في حجمه، فيما الأسد يخلّف وراءه آثاراً تتجاوز أربعة أصابع للقدم، والزرافة ممثلة أحياناً بعنق طويل جداً. ولا شك أن هذه المقومات "الوهمية" تثبت الدور النشيط الذي كان يُنسب إلى الحيوانات في الحفاظ على سيل القوة الخارقة للطبيعة.
لقد وفرت لنا النقوش الصخرية في "تويفيلفونتين" فهماً أعمق للعالم كما كان ينظر إليه الصيادون والقطافون الذين كانوا يعيشون هناك في الزمان القديم. واليوم، تعكس هذه النقوش العلاقات بين السياح وذاك الماضي البعيد. ورغم أن السياحة تضاعف من وطأة الضغوط القائمة على البيئة، التي تدمّر ببطء التراث الثقافي القائم في جنوب إفريقيا، فإن النقوش الصخرية في وادي "تويفيلفونتين" تتيح في الوقت ذاته فهماً أعمق لمختلف الشعوب التي أنتجت هذا التراث الذي لا يُعوَّض.
توماس أ. دوسون، عالم آثار بريطاني، أجرى بحوثاً شاملة في وادي "تويفيلفونتين" ومحيطه.