ISSN 1993-8616

العدد السادس 2007


السيدة النبيلة وكراسي البلاستيك






© اليونسكو/أدريان ريلي
منظر لكورفو من الميناء

عند التقاطع بين الشرق والغرب، تشكل جزيرة كورفو ذاك الجون الصغير الذي يبدو مندفعاً من البحر الإيوني نحو البحر الأدرياتيكي القريب من إيطاليا. تفوح روائح الماضي من الشوارع الضيقة لهذه المدينة القديمة، المدرجة حديثاً على قائمة التراث العالمي، والتي تعجّ بالحياة أيضاً... الفنانة اليونانية كاترينا زاكاروبولو تأخذ بيدنا في نزهة عبر أسرار كورفو.






كورفو
كانت كورفو مستعمرة للكورنثيين حوالي عام 734 قبل الميلاد، قبل أن تقع في أيدي الرومانيين والبيزنطيين والفينيسيين (جمهورية البندقية) والفرنسيين والبريطانيين على التوالي. وقد احتفظت هذه الجزيرة الخلابة التي أدرِجت مدينتها القديمة على قائمة التراث العالمي (تدعى كورفو أيضاً) بذكريات من جميع تلك الحقبات التاريخية. التفاصيل

تشكل كورفو منذ زمن طويل الوجهة المفضَّلة لأنواع كثيرة من الزوّار. من المجتمع المتعدد الأعراق في الستينات، إلى سياح الرحلات المنظَّمة، والشعراء والجامعيين، واليونانيين الآتين من المناطق النائية... ولكلّ الذين يشعرون برغبة في زيارة هذه الجزيرة أسباب سديدة لذلك. صحيح أن هذا المكان الذي أقامت فيه شخصيات استثنائية – ديونيزوس سولوموس، وجان كابو ديستريا ولورنس داريل – يتصف بهالة غريبة تطغى على جماله الطبيعي، رغم أن هذا الجمال يلعب دوراً في شهرته.

هنا، كما في أي مكان آخر، يكوِّن كل شخص صورته الخاصة عن المدينة، بل أنه يرسمها على طريقته. ومن جهتي، مكث في ذهني الانطباع الأول الذي ولّدته كورفو لديّ، وكان انطباعاً "جازما"ً منذ وصولي مع والديّ إلى المدينة وأنا طفلة. كانت أمّي تنتمي إلى كورفو، ووقع أبي في حبّ هذه الجزيرة إلى حدّ الابتعاد نسبياً عن مسقط رأسه، القسطنطينية. كان التباين بين الشرق والغرب واضحاً إلى درجة أنني شعرت بالوصول من مكان يصعب تحديده إلى مدينة أوروبية. أحسست أن الجزيرة التي شاهدتها من الباخرة عندما كانت تقترب ببطء من المرفأ، وكأنما تتراءى لي في المنام، وأنها كانت وجهة اختارتها لي جنيّة كي أكتشف أسراراً. وأدركت بعد مضي السنين أن استيهام الطفولة هذا كان يُعزى في الواقع إلى أمرين: بيوت القرميد الأحمر والمشهد الرومنطيقي الأخاذ المحيط بها.

كانت كورفو بالنسبة إلي كتاباً للأساطير يحتوي على قصص سكان المدينة بعاداتهم الإيطالية، والقرويين الذين تظنهم مسؤولين عن إدارة أعمال كبار ملاّكي الأراضي، في ظل الأجواء التي عمّت الحياة الليلية في الستينات، وكانت تغلب عليها صورة أرسطو أوناسيس، "أغنى رجل في العالم"...


قبل كل شيء، هناك الشوارع التي تفوح برائحة التاريخ. تاريخ له جذور أوروبية، بأسياده وأرستقراطييه، وأدبائه ورسّاميه وموسيقييه، ومعارك الاستقلال، وروّاده، وقلاعه وقصوره، وعاداته المحلية والأجنبية، وبيوت القرويين ومنازل الأسياد التي تحكي تنوع الناس.





© اليونسكو/أدريان رايلي
الفرق الموسيقية تعج في الطرقات خلال العياد

اكتشاف الذات
لكن كورفو ليست جزيرة لتمضية فترات العطلة، على الأقل بالنسبة لي. وقال لورنس داريل، الذي أقام في المدينة: "يمكننا في بلدان أخرى أن نكتشف مشاهد وعادات وتقاليد. لكن اليونان تتيح لك إمكانية اكتشاف شيء آخر وأكثر تعقيداً، وهو اكتشاف الذات". لا شك أن كورفو تشكل جزءاً من اليونان، لكنها تمثل أيضاً جسراً متوسطياً من الشرق إلى الغرب. وفيما خلا اكتشاف الذات، توقظ لدى البشر إحساساً إنسانياً عميقاً، ونوعاً من الكآبة المبهمة والحنين الذي يصعب تحديده، وشيئاً ثقيلاً أيضاً، كالحب القاطع دونما أمل، أو كمشهد مؤثر وجدانياً.

لكلٍّ منا جنته الخاصة. لكن الجزيرة التي يقصدها جموع السياح، جزيرة حياة اللامبالاة، والبحر الأزرق الفيروزي، والفنادق الكبرى، جزيرة كرّاسات وكالات السفر... ليست هي الجنة. الجنة الحقيقية تجدها في ابتسامة إحدى نساء كورفو الجالسات في فترة بعد الظهر على درج منزلها في أغيوس ماركوس، ومنديلها الأبيض على رأسها، وكأنها على غفلة مما يدور بالقرب من قريتها الوديعة، غير آبهة لآلاف الدراجات النارية الهادرة في إيبسوس في طريقها إلى الحانات والمطاعم والمقاهي والخمّارات والملاهي الليلية المطلة على البحر. الجنة الحقيقية هي المدينة في تشرين الأول/أكتوبر، عندما تتسكّع في الطرقات الضيقة، وتكتشف مكتبة "أو بلوس" (الرحلة البحرية) قبل أن تدفعك زخَّة مطر مباغتة إلى داخل مقهى ليستون. الجنة الحقيقية هي الروائح التي لست متأكداً من مصدرها أو طبيعتها: روائح البحر وأشجار السرو، والتربة المبلَّلة والياسمين، والبيوت المغلقة والعشب الرطب.






© اليونسكو/أدريان ريلي
كورفو سيدة أرستقراطية على كرسي من البلاستيك

أرستوقراطية الأعراق المختلفة

في العالم عدد من المدن المؤثرة والغنية بالروائع الهندسية، والمناظر الطبيعية المدهشة، والشواطئ الساحرة... فكورفو لا تتفرد بهذه الصفات. لكنها تتسم بفرادة خاصة بها. ويكفي لإدراك ذلك زيارتها في فترة عيد الفصح. إنها ببساطة مذهلة في أيام الحداد التي تتحول إلى أيام احتفال. المدينة تفيض بالفرق الموسيقية، والشباب، الشقر عادة، الذين يعزفون على آلاتهم الموسيقية، فيما تنطلق الشهب النارية المختلفة الألوان من القلعة لإتمام جمال المشهد.

أهالي كورفو فخورون جداً بجزيرتهم، ولنقلها بصراحة، فهم يشعرون بشيء من التفوق إزاء سائر المناطق اليونانية. ستردّون علي بالقول إن هذا الشعور منتشر أيضاً لدى أهالي جزيرة كريت، وأهالي جزر سيكلاديز. لكن الإحساس بالتفوق في هاتين الحالتين يُعزى لأسباب أخرى متعلقة بالتاريخ وهي خارجة عن موضوعنا. ما أعنيه هنا أن أهالي كورفو، لكونهم ورثة حضارة كبرى، يجمعون بين القديم والحديث. إنهم يونانيون، وإنما إيطاليون أيضاً، ولو قليلاً. فهم يصونون تراثهم، ويدمّرونه في الوقت ذاته. كما في سائر أنحاء اليونان... لكن التباين في كورفو يظهر بنسب مفرطة أحياناً. فهل هناك من إمكانية للتعايش بين الماضي والطبيعة والعولمة دون أن يترتب ذلك على أي ضرر؟

كورفو امرأة أرستقراطية كوزموبوليتانية تشكو من كراسي البلاستيك. كما أن الوجبات السريعة لا تليق بها، ولا الدراجات النارية ولا السلوك السوقي. ويجب معاملتها كالسيدة النبيلة قديماً، باحترام... لكننا نعلم أنه في أيامنا هذه، وفي جميع أرجاء العالم، تعيش النساء النبيلات أوقاتاً شاقة.

كاترينا زاكاروبولو، فنانة يونانية، تقوم بإخراج وتقديم برنامج "زمن الصور" المكرس للفنون التشكيلية على قناة التلفزة الوطنية ET1.