العدد السادس 2007
فردوس وجحيم شاه جاهان

|
 © اليونسكو/روبن سيرل
القلعة الحمراء
|
تعَدُّ القلعة الحمراء في دلهي من روائع الهندسة المعمارية المغولية، وقد بُنيت بأسلوب فريد – شاه جاهاني – بقرار من الإمبراطور المغولي الخامس في الهند، شاه جاهان. وكان هذا الموقع المدرج حديثاً على قائمة التراث العالمي، والذي تحوّل مع مرور الزمن إلى معلم تاريخي ورمز للاستقلال الهندي، جنَّة على الأرض بالنسبة إلى مشيِّده... ومن ثمّ مكاناً أشبه بالجحيم.
إذا كان من جنة على الأرض، فإنها هنا وليست في مكان آخر". تلك هي العبارات التي تستقبلك عند مدخل "القلعة المبركة". ولا شك أن بيت الشاعر الفارسي أمير خسرو يلخص جيداً نيَّة المهندسين المعماريين في بلاط شاه جاهان، الذين صمّموا القلعة على صورة الجنَّة كما وصِفت في القرآن، وهي تذكِّر أيضاً بصروح مدينة أصفهان في إيران.
شاه جاهان، ذلك العاشق الذي لم يتردد في استخدام 000 20 عامل لتشييد قصر تاج محل في أغرا، الضريح المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1983، وقد بناه تخليداً لذكرى زوجته المفضَّلة، التي كان يلقِّبها بـ "نور القصر"، وكانت تدعى ممتاز محل، وتوفيت عام 1631. إنه أيضاً ذاك الإمبراطور العظيم الذي دفع بالإمبراطورية المغولية إلى أوجها، بعدما أسسها بابور "الفهد" في القرن السادس عشر، أحد خلفاء القائد الحربي الشهير تامرلان الذي ندين له أيضاً، منذ القرن الرابع عشر، بروائع موقع آخر للتراث العالمي، سمرقند، في أوزبكستان حالياً.
ولا شك أن شاه جاهان سيبقى في ذاكرة الناس كأكبر هاوٍ للفنون وأبرز بناة سلالته الحاكمة. كما أن "القلعة المبرَكة" التي خلَّفها لنا، والتي تعرَف باسم القلعة الحمراء، كانت مركزاً لعاصمته واستخدِمت كقصر إمبراطوري ومركز إداري معاً.

|
 © اليونسكو/روبن سيرل
|
العاصمة الحمراء الجديدة
أصدر الإمبراطور أمراً ببناء "جنَّته على الأرض"، على ضفاف نهر يامونا، تماماً كتاج محل، عندما قرر عام 1638 نقل عاصمته من أغرا إلى دلهي. وتدعى المدينة اليوم دلهي القديمة، علماً أنها كانت تحمل في تلك الحقبة اسم الإمبراطور: شاه جاهان آباد.
ويقال إن القلعة الحمراء التي بدأت أعمال تشييدها عام 1639 وانتهت بوجه الاحتمال عام 1648، كانت تؤوي حوالي 000 3 شخص. وهي تشكل أول قلعة مغولية مصمَّمة تبعاً لنموذج البوابات المثمَّنة الزوايا، وهو ما سيصبح لاحقاً إحدى مميزات الهندسة المعمارية للسلالة الحاكمة. بُنيت القلعة من الآجر المموَّه بالصلصال الرملي والمرمر الأحمر، وهي تمزج بانسجام بين العناصر الفارسية والتيمورية والهندوسية، مع الارتكاز على النماذج الإسلامية. كما أن هذا الأسلوب الفريد الذي يتسم بأشكال هندسية مركَّبة يحمل أيضاً اسم الإمبراطور: "الشاه جاهاني".
يتجاوز طول أسوار القلعة الحمراء كيلومترين. ويتراوح علوّها بين 16 متراً في جهة النهر و36 متراً في جهة المدينة. كما أن بوابتين كانتا تفضيان إلى القلعة: بوابة دلهي وبوابة لاهوري. كانت الأولى مخصصة لجنود البلاط والخدم. أما البوابة الثانية الموجَّهة نحو مدينة لاهور والمطلة على سوق القصر، فكانت مخصصة للزوار والإمبراطور نفسه. كما أن شارعاً رئيسياً واسعاً كان يصل الشمال بالجنوب ويمتد عبر السوق، ويرسم فاصلاً بين المخيم العسكري غرباً والقصر شرقاً.

|
 © اليونسكو /روبن سي
|
عرش الطاووس وحوض زخارف اللوتس
عندما كان الإمبراطور النافذ شاه جاهان يتوجه في حزنه الشديد على فقدان زوجته لحضور الجلسات العامة في قاعة الاستقبال المعدَّة لهذا الغرض، كان يمرّ بالقرب من جناح الدفّ، وهو بناء مستطيل مؤلف من ثلاثة طوابق ومخصص للموسيقيين. وكان في قاعة الاستقبال عرشه المرصَّع بالأحجار النفيسة، الذي يضاهي عرش سليمان جمالاً وعظمة، والبعض يقول إنه كان على شكل مطابق له.
لكن عرشاً ثانياً، أكثر بذخاً وفخامة، كان في انتظاره وسط الديوان المخصص للجلسات الخاصة حيث كان يلتقي بوزرائه وبوجهاء المدينة. مائة قطعة من الياقوت الأحمر، ومائة قطعة من الزمرّد تضاعف بهاء شكلي طاووسين بارزين من وراء مقعده الملكي، إضافةً إلى قطع الماس واللازورد وغيرها من الدرر واللآلئ النادرة. وقد استولى نادر شاه على عرش الطاووس الشهير كغنيمة حرب ونقله إلى إيران. كان ذلك عام 1739، بعد قرن تماماً من البدء ببناء القلعة الحمراء، عندما أشعل "نابليون الفرس" نيران الحرب في دلهي.
بعد انتهائه من شؤون البلاط، كان شاه جاهان يأوي إلى جناحه الخاص الذي يضم غرفاً وقاعات للصلاة وبرجاً اعتاد الإمبراطور على مخاطبة الجمهور منه. وكان هذا الجناح يشكل جزءاً من سلسلة من الأجنحة الملكية المصنوعة من المرمر الأبيض والمطلة على نهر يامونا، والموصولة فيما بينها بقناة تدعى "ساقية الجنة" نسبةً إلى مياهها الجارية.
وطلباً للاسترخاء، كان شاه جاهان يلجأ إلى أحد حماماته المجهزة بمجارٍ للمياه الساخنة والباردة، وكانت أرضها المزينة بزخارف من زهور تترك له انطباعاً بأنه في حديقة. وفي أقصى الجهة الجنوبية للمكان، كان في انتظاره جنة الجنات: منطقة الحريم المكوَّنة من أجنحة منتشرة على طابق واحد وتصل بينها القنوات والبرك. كانت زوجات الإمبراطور وعشيقاته يُقمن في "قصر الألوان" بسقفه المرصّع بزخارف من ذهب وفضة يسطع وهجها في المياه، وبركته برخامها الأبيض وزخارف زهور اللوطس، إحدى أبرز الزخارف في الهندسة المعمارية المغولية.
رمز السلطة
عندما كان الإمبراطور النافذ شاه جاهان يتوجه في حزنه الشديد على فقدان زوجته لحضور الجلسات العامة في قاعة الاستقبال المعدَّة لهذا الغرض، كان يمرّ بالقرب من جناح الدفّ، وهو بناء مستطيل مؤلف من ثلاثة طوابق ومخصص للموسيقيين. وكان في قاعة الاستقبال عرشه المرصَّع بالأحجار النفيسة، الذي يضاهي عرش سليمان جمالاً وعظمة، والبعض يقول إنه كان على شكل مطابق له.
لكن عرشاً ثانياً، أكثر بذخاً وفخامة، كان في انتظاره وسط الديوان المخصص للجلسات الخاصة حيث كان يلتقي بوزرائه وبوجهاء المدينة. مائة قطعة من الياقوت الأحمر، ومائة قطعة من الزمرّد تضاعف بهاء شكلي طاووسين بارزين من وراء مقعده الملكي، إضافةً إلى قطع الماس واللازورد وغيرها من الدرر واللآلئ النادرة. وقد استولى نادر شاه على عرش الطاووس الشهير كغنيمة حرب ونقله إلى إيران. كان ذلك عام 1739، بعد قرن تماماً من البدء ببناء القلعة الحمراء، عندما أشعل "نابليون الفرس" نيران الحرب في دلهي.
بعد انتهائه من شؤون البلاط، كان شاه جاهان يأوي إلى جناحه الخاص الذي يضم غرفاً وقاعات للصلاة وبرجاً اعتاد الإمبراطور على مخاطبة الجمهور منه. وكان هذا الجناح يشكل جزءاً من سلسلة من الأجنحة الملكية المصنوعة من المرمر الأبيض والمطلة على نهر يامونا، والموصولة فيما بينها بقناة تدعى "ساقية الجنة" نسبةً إلى مياهها الجارية.
وطلباً للاسترخاء، كان شاه جاهان يلجأ إلى أحد حماماته المجهزة بمجارٍ للمياه الساخنة والباردة، وكانت أرضها المزينة بزخارف من زهور تترك له انطباعاً بأنه في حديقة. وفي أقصى الجهة الجنوبية للمكان، كان في انتظاره جنة الجنات: منطقة الحريم المكوَّنة من أجنحة منتشرة على طابق واحد وتصل بينها القنوات والبرك. كانت زوجات الإمبراطور وعشيقاته يُقمن في "قصر الألوان" بسقفه المرصّع بزخارف من ذهب وفضة يسطع وهجها في المياه، وبركته برخامها الأبيض وزخارف زهور اللوطس، إحدى أبرز الزخارف في الهندسة المعمارية المغولية.
أبسامي موروغايان، عالم ألسنيات هندي