ISSN 1993-8616

2007 العدد السادس


أبراج "دياولو" المحصَّنة في كايبينغ






© اليونسكو/زهو فانجان
الأبراج المحصنة

كايبينغ مقاطعة فرعية تقع في جنوب غرب إقليم غوانغدونغ (الصين)، وتؤوي عدة آلاف من الأبراج المحصَّنة ذات الطراز الهندسي الفريد، إذ يجمع بين التأثيرات المعمارية الغربية والعناصر التقليدية الصينية، وهو ما بات يُعرف بالـ"دياولو".







في ليلة حالكة من كانون الأول/ديسمبر 1922، كان طابور مؤلف من مائتين من قطاع الطرق يتقدم في الظلام الدامس، وقد احتجز 23 تلميذاً من ثانوية بلدة شيكان ومدير المدرسة كرهائن. كان اللصوص يهمّون باقتياد الصغار إلى مخبأ أعدّوه، لكن الطريق الذي سلكوه كان يقع على مقربة من قرية يينغسون حيث شُيِّد برج "هونغيي لو"، أحد صروح "دياولو" التي أقامها المهاجرون الصينيون العائدون من الولايات المتحدة لحماية عائلاتهم. كما أودعوا فيه أسلحتهم وجهَّزوه بمولِّد كهربائي ونوَّارة وصفارة إنذار أتوا بها من مناطق ما وراء البحار.

مع غروب الشمس، اعتاد الرجال على البدء بمهمة الحراسة في أعلى البرج المحصَّن الذي ينام فيه سكان القرية. وقد ميَّزوا في تلك الليلة الداكنة ظلالاً خاطفة وغريبة على الطريق المجاور. فأضاءوا النوَّارة على الفور وأطلقوا صفارة الإنذار... فأصيب اللصوص بالذهول ووقعوا في شرك هذه الأجهزة المجهولة. ومن أعلى الـ"دياولو"، بدأ الحراس بإطلاق النار. دبّ الذعر في صفوف المجموعة، وجُرح عدد من قطاع الطرق، فيما لاذ الآخرون بالفرار. واغتنم بعض الرهائن هذه الفرصة للهرب. كما نجح أهالي القرية بالقبض على 12 لصاً، وإنقاذ 17 تلميذاً ومدير المدرسة. وأثار الحادث ضجة كبرى وأصبحت كل بلدة تسعى لتشييد برج "دياولو" خاص بها.



© اليونسكو/زهو فينجيان
صروح عريقة

هناك 800 1 "دياولو" في مقاطعة كايبينغ الفرعية ومنها 20 مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. تقع كايبينغ في منطقة نائية على مسافة ساعتين براً من كانتون، مركز قضاء إقليم غوانغدونغ، وعلى مسافة أربع ساعات بحراً من هونغ كونغ. وقد شُيِّدت الـ"دياولو" في مناطق معزولة من القرى، في غابات الخيزران الخضراء وبالقرب من أشجار الموز. كما أن بعضها يبرز فجأة أمام الناظر على منعطف حقول الأرزّ، أو في أعلى تلّ صغير. وقد بُنِيت بأشكال متنوعة: أبراج رئيسية تعلوها شرفات، وقد ثقِبت في الحصون فتحات لرمي النيران على المعتدين، وأبراج إنذار مزخرفة بترف، وأبراج متقنة الصنع، بعضها من الحجر، والبعض الآخر من الآجر، كبرج "يينغلونغ لو"، وهو أقدمها على الإطلاق إذ يرقى إلى القرن السادس عشر. لكن معظمها بُني من الباطون المسلّح خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، ويتألف من أربعة إلى خمسة طوابق. وتتميز جميع البنى بدمج العناصر الهندسية الصينية والغربية معاً.

كانت أبراج الـ"دياولو" تستخدَم للدفاع عن أهالي القرى في فترات الاضطراب الاجتماعي. وازدهرت بشكل لافت في نهاية حكم سلالة "كينغ" (1644-1911)، عندما عصفت بالصين حروب محلية متعاقبة، مخلِّفة وراءها دماراً شاملاً – ولنتذكّر مثلاً ثورة تايبينغ الدموية (1851-1864) – وخلال حقبة "أسياد الحرب" التي يُقصد بها القوات المسلحة المتعطشة للسلطة والتي أشعلت نار الحرب في البلاد بين عامي 1916 و1926.





© اليونسكو/زهو زانجيان
رمز السعادة المزدوجة وأوراق الأقنثة
لكن عدم الاستقرار الأمني لا يفسر وحده تكاثر أبراج الـ"دياولو". وفي الواقع أن المهاجرين الصينيين هم الذين أتوا بالموارد المالية لبنائها. ففي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت كايبينغ إحدى بؤر المغتربين الصينيين العائدين إلى ديارهم، وكان العديد من سكانها يزاولون مهنة الـ"كولي" (وهو الاسم المعطى للمهاجرين الصينيين الذين لم يمتلكوا المهارات) في مشاتل ومناجم جنوب شرق آسيا. وقد شاركوا أيضاً في الهجمة على الذهب في كاليفورنيا، وفي بناء سكة الحديد في القارة الأميركية، وأقدموا على فتح مغاسل الثياب والمطاعم والمتاجر.

لدى عودتهم إلى ديارهم، أدخل هؤلاء هندسة معمارية استثنائية ومركَّبة إلى مجتمعاتهم باتت تعرَف بالـ"دياولو"، وتمزج مثلاً بين زخارف فأل الخير الصينية – كرمز السعادة المزدوجة – وأوراق نبات الأقنثة، وصفوف الأعمدة القديمة المنتشرة في الغرب.

كما استوردوا الإسمنت والصلب إلى المنطقة، وهما من المواد الحاسمة في ولادة هذا الأسلوب الهندسي الغريب. وقد أتاح الباطون المسلَّح تشييد أبنية مائلة وإقامة القبب وغيرها من الأشكال المكوَّرة، مما أدرج طرازاً مستحدثاً تماماً. وعلى سبيل الطرفة، نجد في الأدب الصيني العائد إلى تلك الفترة عبارة "مقلاة صينية عميقة -ووك- مقلوبة" للإشارة إلى "القبّة".


مسألة اعتبار وهيبة
كانت أبراج "دياولو" تمثل حصوناً مهيبة ترمز إلى ثراء ونفوذ مالكيها الذين لم يبخلوا أبداً في الإنفاق على بنائها. وكان بعضها ملكاً لعائلة واحدة ويُستخدم أحياناً للسكن. أما البعض الآخر، فكان يموَّل من جانب قرية أو عائلات عدة، مع تخصيص حجرة صغيرة لكل عائلة في المبنى لإيداع ممتلكاتها القيِّمة والاختباء في حال الخطر. كما أن البعض الآخر كان يُستخدم كأبراج للمراقبة، ويُشيَّد في أماكن استراتيجية في ضواحي القرى، كما هو حال "منارة جماعة فانغ" بالقرب من قرية زيلي.

كثيراً ما كان يُطلق على أبراج "دياولو" المموَّلة جماعياً اسم القرية التي تقع فيها أو اسم كبير قومها، لكن هذه التسمية لم تكن تمنح تلقائياً لجميع المباني وإنما تبعاً لفائدتها. وبعد اختيار الاسم، كان يتم استدعاء فنانين مشهورين لخطّ الأحرف يدوياً وبعناية، ثم نحتها بشكل مقعَّر أو صبّها في قالب، قبل ترتيبها في أعلى الواجهة الرئيسية للـ"دياولو". ويُشار إلى أن الكتابة المنقوشة على برج دياولو "رويشي لو" المؤلف من تسعة طوابق في قرية جينجيانغلي، هو من أعمال خطاط شهير ورئيس معبد "تين البنغال" في كانتون.

لقد أصبحت غالبية أبراج "دياولو" مهجورة اليوم، لكنها لا تمثل منظراً كئيباً، بل على العكس. فعند هبوط الليل، تنتصب ظلالها الداكنة فوق المنازل وتواصل سهرها على قرى كايبينغ.