2007 - العدد السادس
الشعب إلى الجامعة والجامعة للشعب

|
 © اليونسكو خيراردو تينا توريس
|
أوكتافيو باث، دييغو ريفيرا، دافيد ألفارو سيكيروس... من الشخصيات الشهيرة التي تركت بصماتها على حرم مكسيكو الجامعي الممتد على سبعة ملايين متر مربع. لكن هذه البؤرة الفكرية والثقافية توفر بهندستها المعمارية أيضاً مثالاً فريداً للحداثة في القرن العشرين.
بُنيت الجامعة الوطنية المستقلة في مكسيكو (يونام) على يمٍّ من الحمم البركانية. وهي تشمل أكثر من 000 150 طالب وأستاذ وعامل، بعضهم مقيم بصفة دائمة في هذا الجزء من وادي المكسيك الذي ابتلعه بركان كسيتل ("السرَّة الصغيرة" بلغة ناهواتل) قبل 400 2 عام، وقد خمد منذ زمن طويل.
كان الحرم الجامعي نائياً عن المدينة في السابق، وبات الآن متكاملاً معها. فلقد أجبر الانفجار السكاني مرتادي الجامعة، الملقَّبين بالـ"بوما" (أسود أمريكا)، على تقاسم واحة العلم والفن والرياضة مع سكان العاصمة المكسيكية البالغ عددهم 20 مليون شخص. "تثير الهندسة المعمارية للجامعة، حتى لدى الذين لم يتابعوا دراساتهم فيها، إحساساً قوياً بالألفة وبتحقيق الهوية، لأنها مجال مطبوع جداً بالروح المكسيكية"، توضح لورديس كروث غونزالز فرانكو، الباحثة، ومنسقة أرشيف المهندسين المعماريين المكسيكيين. وتشدد بقولها إنه "لا يوجد صدام بين الجامعة ومدينة مكسيكو. بل على العكس، إذ أنهما تتكاملان ضمن حركة تبادل سلسة".
لا شك أن الجامعة الوطنية المستقلة في مكسيكو لعبت دوراً في النمو اللافت الذي شهدته مدينة مكسيكو خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فمنذ البدء ببناء الحرم الجامعي، شُقت الطرق الواسعة وجرى توسيع الطرق القديمة، كجادة "إنسورجانتيس" على سبيل المثال، التي تعتبَر من أكثر الشوارع تمثيلاً للمدينة.

|
 ©اليونسكو/خيراردو تينا توريس
|
حيز عملي
صُممت جامعة "يونام" في أربعينات القرن الماضي بهدف ضمّ مختلف المعاهد والكليات التابعة لها في مكان واحد، بعدما كانت موزعة على أنحاء مختلفة من العاصمة. وانطلقت الورشة عام 1949 في مساحة تبلغ 7 ملايين متر مربع واستغرقت ثلاثة أعوام. "لقد اعتمد ماريو باني وإنريكي دل مورال وماريو لازو هندسة حديثة باستخدام الأحجام المكعَّبة والمواشير الزجاجية. وقد أتت هذه الرؤية الوظيفية والمنهجية بقراءة جديدة تماماً لمكان مهجور"، توضح لورديس كروث.
صُمِّم المجمَّع منذ أكثر من 60 عاماً ليستضيف حوالي 000 25 شخص، مانحاً الجامعة طابعاً عملياً لافتاً. وقد تعيَّن إضافة مدينتين جديدتين إليها في السبعينات، خُصِّصت الأولى منهما للبحث العلمي والثانية للبحث في العلوم الإنسانية، فضلاً عن إقامة مركز ثقافي وعدة أبنية جامعية متعددة التخصصات.

|
 © اليونسكو/خيراردو تينا توريس
|
حيز جمالي
أما الموقع المدرج حديثاً على قائمة التراث العالمي، فهو الحرم الجامعي المركزي لـ"يونام"، الذي يوفر مثالاً فريداً للحداثة في القرن العشرين في مجال الهندسة المعمارية وتخطيط المدن والفنون. لكنها حداثة تستوحي الكثير من التقاليد المكسيكية. ويشمل هذا الحرم الصروح الأكثر لفتاً للنظر كبرج رئاسة الجامعة، والمكتبة الرئيسية، والملعب الأولمبي الذي استضاف الألعاب الأولمبية عام 1968 وكأس العالم لكرة القدم عام 1986.
يبدو الملعب المفتوح كبركان منبثق من الأرض. وعلى غرار أبنية أخرى في الجامعة، فقد بُني من الحجارة الناجمة عن حمم الـ"كسيتل". وزيَّن الرسام الجداري المكسيكي الشهير دييغو ريفيرا (1886-1957) واجهته بعمل فسيفسائي متعدد الألوان يرمز إلى الوطن والسلام والجامعة والرياضة. تقول لورديس كروز إن "هذا العمل الرائع الذي أنتجه ريفيرا كان يُفترض أن يحكي تاريخ الرياضة قبل وصول الإسبان حتى المرحلة المعاصرة، وأن يمتد على طول جدار الملعب، لكنه لم يُستكمَل".
ويكتسي مبنى رئاسة الجامعة بعداً رمزياً خاصاً بشعاره الذي يمثل طائراً ثنائي الرأس (عُقاب مكسيكي ونسر بلاد الأنديس) وقوله المأثور: "سيتكلم الفكر بواسطتي"، مما يوفر دليلاً إضافياً على أن الفن والهندسة المعمارية في المكسيك ينتميان إلى عالم واحد. وتزيّن واجهات هذا البرج العالي، الذي يستعين به الطلاب كنقطة استدلال لدى التنقل داخل الحرم الجامعي، ثلاثة رسوم جدارية لفنان مكسيكي شهير يُدعى دايفيد ألفارو سيكيروس (1896-1974)، وهي تحمل أسماء معبِّرة: "الشعب إلى الجامعة، والجامعة للشعب"، "أبرز المحطات الزمنية في تاريخ المكسيك"، و"الرمز الجامعي الجديد".
وندين للرسام والمهندس المعماري خوان أو غورمان (1905-1982)، المولود لأب إيرلندي وأم مكسيكية، بـ 000 4 متر مربع من اللوحات الجدارية التي تغطي واجهات المكتبة الرئيسية. تحكي واجهات هذا الصرح الجميل المؤلف من 10 طوابق، المزينة بالأحجار المتعددة الألوان والتي جيء بها من مناطق مختلفة من البلاد، تاريخ المكسيك من الحقبة التي سبقت وصول الإسبان إلى الفترة الحديثة، ملقية الضوء على ثنائية الحياة والموت.
حيز الالتزام
تشمل الجامعة الوطنية المستقلة في مكسيكو 18 كلية و6 معاهد وطنية و28 معهد بحث، مما يمثل بيئة استثنائية للدراسة. لكنها توفر أيضاً مجالات للاسترخاء بفضائها المفتوح الرحب، وأدراجها المنتشرة في الهواء الطلق، التي تذكِّر بمدن قديمة قبل وصول الإسبان، كـ"تيوتيهواكان" (في شمال مدينة مكسيكو)، ومونتي ألبان (أواكساكا، في جنوب البلاد). كما أنها تغصّ بالطلاب الآتين للاستراحة أو لمراجعة أدوار مسرحية والإفادة من المشهد العام والبيئة السمعية. "ينتابنا شعور بالحرية هنا"، تقول زولي غونغورا، الطالبة في مادة الفن المسرحي، والتي تعِدُّ مع مجموعة من الأصدقاء مسرحية أمام جدار من الحجر البركاني المزيّن برموز تعود إلى الحقبة ما قبل الإسبانية.
يقول لويس ألبرتو غارسيا، الحائز على شهادة العلوم السياسية من "يونام": "نحن، "البوما"، فخورون بالجامعة، ليس لهندستها المعمارية فقط وإنما أيضاً لأن مفكرين كبار من بلادنا تابعوا فيها المحاضرات قبلنا"، ثم يأتي على ذكر أسماء كثيرة، من بينها ثلاثة مكسيكيين حائزين على جائزة نوبل: ألفونسو غارسيا روبليس (نوبل للسلام، 1982)، أوكتافيو باث (نوبل للآداب، 1990)، وماريو مولينا (نوبل للكيمياء، 1995).
وجدت الجامعة الوطنية المستقلة في مكسيكو نفسها، بصفتها بؤرة فكرية وثقافية، في خضمّ الأحداث التي وقعت إبان موجة الاحتجاجات الطلابية التي أفضت إلى مجزرة "تلاتيلولكو" خارج الحرم الجامعي قبل 10 أيام من بدء الألعاب الأولمبية عام 1968. كما أن طلاب "يونام" نظموا موجات من الإضرابات عام 1968 وعام 1987 وعام 1999 كانت ترمي إلى الدفاع عن الطابع العام والمجاني للتعليم كما ينص عليه الدستور المكسيكي. وقد نجحوا في مسعاهم حتى الآن.
خيراردو تينا، صحافي مكسيكي.