ISSN 1993-8616

2008 - العدد السادس


ثلاث روائع معمارية للفن الأرمني في إيران





© أرثر غويفوركيان
كنيستا دير القديس تداوس.

تؤوي محافظة أذربيجان الواقعة في شمال غرب إيران، منذ قرون عدة، كنائس أرمنية. ومع مرور الزمن، ترك التبادل الحضاري فيها مزيجاً مذهلاً من الرموز في كنف هندسة معمارية أرمنية قديمة. وقد أدرِجت هذا العام ثلاث مجموعات رهبانية في المنطقة على قائمة التراث العالمي.



دير القديس تداوس
يرقى الدير إلى القرن الثاني عشر، وقد تعرض للدمار عام 1319 على أثر وقوع هزة أرضية. أطلِقت حملتان لترميمه وإعادة بنائه في القرنين السابع عشر والتاسع عشرالتفاصيل

باتريك دونابيديان، باحث في مختبر علم أثريات القرون الوسطى لمنطقة البحر الأبيض المتوسط (المركز الوطني للبحث العلمي، فرنسا) وياسمينة شوبوفا، رسالة اليونسكو.

يشكل دير القديس تداوس المكان الأسطوري لاستشهاد القديس في القرن الأول الميلادي، ويجتمع فيه خلال فصل الصيف آلاف الحجاج. يتصدّر، بعظمة، المشهد شبه الخيالي لوادي ماكو الواقع في منطقة جبلية معزولة يبلغ ارتفاعها 200 2 متر، حيث يُقال إن القديس غريغوريوس، أب الكنيسة الأرمنية، أنشأ مكاناً للعبادة في القرن الرابع. هذا بالنسبة لسيرة القديس.

أما التاريخ، فيكشف لنا أن دير القديس تداوس كان يؤوي مقر أبرشية الكنيسة الأرمنية في القرن العاشر. وقد تعرض لغزوات المغول في القرن الثالث عشر. في القرن التالي، استولى عليه دعاة وحدة الكنيسة الأرمنية مع كنيسة روما. تعرض للدمار والنهب في عهد سلالة قاجار الفارسية في نهاية عام 1700، وتحول إلى مركز للمقاومة ضد العثمانيين في بداية القرن العشرين.

لقد أدرِج هذا الصرح البارز للكنيسة الأرمنية، إلى جانب دير القديس إسطفانوس ودير دزور دزور، على قائمة التراث العالمي. وهو يمثل موقعاً أثرياً بارزاً للثقافة الأرمنية في هذه المنطقة التي كانت تعدُّ من المناطق الأكثر ازدهاراً على المستوى الإقليمي، ومن أكثرها خصوبة على صعيد التبادل الثقافي أيضاً.

هذا ما يفسّر المزيج المدهش للأساليب المعمارية التي تتميز بها كنيستا دير القديس تداوس: "الكنيسة السوداء"، العائدة إلى القرون الوسطى، والتي أعطت اسمها لقرية كردية صغيرة مجاورة، و"الكنيسة البيضاء"، التي شُيدت في القرن التاسع عشر تبعاً لنموذج كاتدرائية إجميادزين (المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ عام 2000) بالقرب من العاصمة الأرمنية يريفان.



© اليونسكو/أرمينيا/ أ.بريبيس
في أخدود نهر أراكس، تقاوم كنيسة القديس إسطفانوس تحولات التاريخ.

يرقى دير القديس إسطفانوس أول الشهداء إلى القرن العاشر، لكن الأبنية الحالية تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر.التفاصيل

تمثل الكنيستان الهندسة المعمارية الأرمنية بامتياز، مع قببهما الهرمية الشكل، القائمة على مدفات صفاحية، وقويساتهما وزخارفهما المنقوشة على نحو أفقي، وقبتيهما المرفوعتين. كما أن كنيسة القديس إسطفانوس، وهي الكنيسة الرئيسية في المجموعة الرهبانية الثانية المدرجة على قائمة التراث العالمي، فتوفر هي الأخرى خير مثال على هذه الهندسة.

بناء مهيب في مشهد يتسم بالعظمة – هكذا يمكن، باختصار، وصف الموقع القائم في الناحية الشرقية من دير القديس تداوس، في أخدود نهر أراكس. لقد عرف هذا الدير فترته الذهبية في القرن الرابع عشر، وهو يتقاسم اليوم آثار هذه الحقبة الجميلة مع يريفان والبندقية حيث يوجد قسم من اللوحات والرسوم والأعمال الأدبية التي رأت النور بين جدرانه.

لكنه شهد أوقاتاً عصيبة أيضاً في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، خلال الحروب التي كانت دائرة بين السلاجقة والبيزنطيين، وفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر، أثناء الحكم المغولي، وبعد مضي 300 عام، عندما قرر شاه عباس "إفراغ" المنطقة الحدودية، مما تسبب في تهجير مئات آلاف الأرمن باتجاه وسط إيران.

لقد عانى الدير من البشر، وإنما من الطبيعة أيضاً. وأعيد بناؤه مرات عدة. فلقد دُمر مع دير القديس تداوس من جراء الهزة الأرضية التي وقعت عام 1319. وعلى غرار جميع الصروح الأرمنية القديمة في هذه المنطقة، تعرض لمناخ قارس، مما يجعله بالغ التأثر بالتقلبات المناخية. ومن ناحية ثانية، تمثل طبيعة التربة الغرينية تهديداً دائماً على دير القديس إسطفانوس الشهيد الأول. لكنه يخضع لأعمال حفظ دائمة، مما يسهم في صونه.





© اليونسكو/أرمينيا/أ.بريبيس
يُبهر الناظر إلى كنيسة دزور دزور بألق بنيتها

كنيسة القديسة مريم - دزور دزور التفاصيل

وقد أعدَّت خطة لإدارة المجموعات الرهبانية الثلاث في عام 2001. وهي تلي أعمال الحماية التي أطلِقت في السبعينات.


فقبل نحو 20 عاماً، أنقِذت كنيسة صغيرة تدعى كنيسة القديسة مريم والدة الإله من موت شبه مؤكد. وكانت تشكل الأثر الوحيد المتبقي من دير دزور دزور الشهير الذي دُمر خلال حكم شاه عباس في بداية القرن السابع عشر. ظلت وحيدة في وادي نهر ماكوشاي طوال 300 عام، وكانت مهددة بدورها بالاندثار عندما قررت الحكومة الإيرانية بناء سد. لكن تم التوصل إلى اتفاق مع الكنيسة الأرمنية لتفكيكها وإعادة بنائها على مسافة 600 متر من موقعها الأصلي.

كما جرى ترقيم كافة أحجار الكنيسة وتجميع الأحجار الموزعة على الأرض، علماً أن 250 حجراً فقط (أفتح لوناً من سائر الأحجار) من أصل 1548 حجراً لا تنتمي إلى البناء الأصلي.

تطالعك الكنيسة اليوم بطاقية على شكل مظلة، كأميرة أنيقة ومتوحِّدة، في مشهد شبه صحراوي. تزيد الطاقية من ألقها وتشكل عنصراً مميزاً للهندسة المعمارية الأرمنية منذ القرن العاشر حتى أيامنا هذه، وقد وُضعت على مدفة، مما يتيح إنارة الكنيسة من الداخل بنور يكاد يكون سمتياً. وهي موضوعة في أعلى القبة التي ترمز إلى القبة الزرقاء والتوق إلى الخلاص. والقبة قائمة في وسط الكنيسة لتتوِّج اتصال أذرع الصليب الأربع، الذي يمثل جمع المؤمنين، وكنيسة البشر على الأرض.

باتريك دونابيديان، باحث في مختبر علم أثريات القرون الوسطى لمنطقة البحر الأبيض المتوسط (المركز الوطني للبحث العلمي، فرنسا) وياسمينة شوبوفا، رسالة اليونسكو.


    العودة إلى الصفحة الرئيسية