2008 - العدد السادس
المهد العالمي للزراعة

|

اريك لافورغ
في بابوا غينيا الجديدة تعود سيطرة الانسان على الأرض إلى 000 10 عام
|
خلافاً لكل التوقعات، تثبت مستنقعات كوك أن بدايات الزراعة في بابوا غينيا الجديدة تعود إلى 000 10 عام. يحوي موقع كوك المدرج حديثاً على قائمة التراث العالمي آثاراً لممارسة الزراعة وتصريف المياه في القدم. ومن خلال زراعة هذه الأرض، تحافظ جماعة "كاولكا" اليوم على الإرث الذي تلقته.
في بابوا غينيا الجديدة، يتميز المجتمع الزراعي في منطقة المستنقعات بتنظيم جيد. ولا ينتج ذلك عن تحوّل جديد رغم ما قد يتخيله البعض! إذ ينتمي سكان هذه الأراضي تقليدياً إلى جماعة "كاولكا". وهم يزرعون فيها البطاطا الحلوة والموز والقهوة منذ عام 1990 على الأقل. لكنهم أقاموا في هذا المكان مرات عديدة خلال القرن العشرين وحتى قبل ذلك.
يقول أفراد جماعة "كاولكا" أنهم رووا حكاياتهم على علماء الأنثروبولوجيا، الذين اصطحبوهم في رحلاتهم، لكن علماء الآثار سردوا عليهم قصصاً لم يسمعوها من قبل. ومن هذه القصص أن كوك كانت قبل 000 7 إلى 000 10 عام مركزاً مستقلاً لتنمية الزراعة المبكرة، ومكاناً عاش فيه السكان التحوّل من حقبة المحاصيل العلفية إلى الممارسة الزراعية.
تطويع الموز
|

© تارو تايلور
إن الأشجار المثمرة وأشجار الجوز من أول الأنواع المزروعة في بابوا غينيا الجديدة
|
وبالنسبة لعدد كبير من الناس، ولا سيما علماء الآثار، يبدو من غير المحتمل العثور على أدلة عن التنمية الزراعية المبكرة والمستقلة في جبال بابوا غينيا الجديدة. ومع ذلك، فإن أعمال التنقيب الأثرية التي تمّت في عام 1960 وأعمال البحث التي قادها جاك غولسن [عالم أسترالي بالآثار، متقاعد، وقد عهد بمهمته إلى تيم دنهام] تثبت العكس.
فلقد جرى اكتشاف عدد من الآثار، يُذكر منها المساحات المزروعة وقنوات تصريف المياه، مطمورة في مستنقعات كوك، على ارتفاع 1550 م من سطح البحر، وتحديداً في وادي واهجي، أحد أكبر وديان السلسلة الجبلية التي تعبر قلب جزيرة غينيا الجديدة من الشرق إلى الغرب. وتمثل هذه الاكتشافات الأثرية إنجازاً استثنائياً لأن التحوّل من المحاصيل العلفية إلى زراعة مبكرة ومستقلة لم يحدث سوى في أماكن نادرة من العالم. ولذا، فإن كل موقع من هذه المواقع، ومنها كوك، يكتسي أهمية جوهرية لفهم أحد أكبر التطورات التكنولوجية للحضارة البشرية الحديثة.
فلقد برزت أنواع مختلفة من الزراعة القائمة على عدد متنوع من المحاصيل والأساليب الزراعية، بشكل مستقل، في كل من جنوب غرب آسيا، وجنوب شرق الصين، والأمريكتين، وربما في أفريقيا، وغينيا الجديدة أيضاً. وفي جنوب غرب آسيا وجنوب شرق الصين، كانت الزراعة في بداياتها تقتصر على الحبوب والبقول وغيرها من النباتات. أما الزراعة المبكرة في غينيا الجديدة، التي ما زالت تمارس اليوم، فكانت قائمة حصراً على نشر نباتات غذائية غير متطلبة كالأشجار المثمرة وأشجار الجوز، والجذريات القابلة للاستهلاك كالبطاطا الحلوة والبقلة الزراعية وقصب السكر والأعشاب والخضر الوريقة والموز، علاوة على المراعي. كما تظهر الدراسات الحديثة أن غالبية هذه النباتات، وبالأخص الموز، قد طُوِّعت في غينيا الجديدة. كما شهدت المنطقة زراعة البذور، لكن الزراعة الرئيسية كانت تشمل النباتات المتكاثرة بواسطة الدرنيات والبصيلات والسيقان.
زراعة الأرض بهدف صون الموقع 
|

© ايريك لافورغ
يد "رجل من الطين" (بابوا غينيا الجديدة)
|
قبل نحو 000 10 عام، كان السكان الأصليون يزيلون الأشجار في قطع أرض صغيرة من الغابة الاستوائية، ويغيرون بذلك شكل المنطقة الرطبة حول كوك، التي كان منظرها الطبيعي، من دون شك، على شكل فسيفساء من الغابات ومربعات من المروج والموائل غير المنظمة. وتوحي بعض الآبار المحفورة عند حافة المنطقة الرطبة، فضلاً عن أدوات حجرية ترسّبت فيها بقايا البقلة الزراعية والبطاطا الحلوة، أن السكان كانوا قد بدأوا بالتركيز على زراعة النباتات الغنية بالنشاء.
وبعد فترة، أي قبل حوالي 000 7 عام، بدأ السكان بتنمية المكان فعلاً. فنمت فيه النباتات على التلال، عند حافة المنطقة الرطبة. وما زالت الأسس الجوفية لهذه الممارسات جلية في الطين. وأخذوا يزرعون النباتات المتطلبة التي تحتاج إلى كميات من المياه في أسفل التلال، كالبقلة الزراعية، والنباتات التي لا تحتاج إلى كثير من المياه في المرتفعات. وكانوا يعملون على حشر هذه المواد الأساسية الغنية بالنشاء بين الخضر الوريقة.
وشهدت التلال الصغيرة المتاخمة لكوك ممارسات زراعية مماثلة لإنتاج مواد متنوعة في أرض واحدة. ويُشار إلى أن الأشجار قد أزيلت تماماً من الغابة الاستوائية في وادي واهجي من جراء الأنشطة المرتبطة بزراعة الجنائن، وعلى أثر اندلاع الحرائق. ومنذ ذلك الحين، ظل الجزء الأكبر من الوادي على شكل مرج.
وأنشئ نظام لتصريف المياه قبل نحو 000 4 عام للإسهام في زراعة الأرض. إذ تحوي مستنقعات كوك بالفعل العدد الأكبر من الآثار الزراعية في غينيا الجديدة، وأقدمها وأفضلها صوناً، على شكل آثار ضمن طبقات طينية مكونة من تربة قديمة وردم قنوات التصريف القديمة. لقد تغيرت مساحة وشكل نظام التصريف على مر الزمن. ورغم جهلنا للأسباب الحقيقية التي تقف وراء تحول النظام إلى التصريف الدوري، والتخلي عن المنطقة الرطبة، فقد يرتبط ذلك بعوامل مناخية وهيدرولوجية واجتماعية.
واليوم، يعيش مئات من أفراد جماعة "كاولكا" في منطقة كوك وجوارها من النشاط الزراعي. ورغم وجود تقليد شفهي يربط هذه الجماعة على نحو وثيق بالأرض، فإن أفراد "كاولكا" لا يعرفون ما إذا كان نسبهم يرقى في كوك إلى آلاف السنين. لكن ذلك ليس مهماً.
هم التزموا، بشكل طوعي، بحماية الآثار المطمورة، مما يعني عدم مزاولة الزراعة في أماكن معينة، والسيطرة على التنمية الزراعية في أماكن أخرى. فبالنسبة إلى جماعة "كاولكا"، يعني مفهوم الإرث شيئاً يربطهم مباشرة بالأرض وبتاريخهم. ومع اهتمام هذه الجماعة بالموقع ومزاولتها للزراعة فيه، تصان مستنقعات كوك على النحو الأمثل.
تيم دنهام
كلية الجغرافيا والعلم البيئي، المبنى 11، حرم كلايتون الجامعي، جامعة موناش، أستراليا.
العودة إلى الصفحة الرئيسية