2008 - العدد السادس
جزيرة سورتسي: مختبر بقياس طبيعي

|

© اليونسكو/سيغوردور أ. تراينسن
انبثقت "قطرة" الأرضهذه من قاع المحيط في 1963
|
توفر جزيرة سورتسي (آيسلندا)، التي أضيفت حديثاً على قائمة التراث العالمي، فرصة فريدة للعلماء في دراسة تنامي الأنواع فيها منذ اليوم الأول لطفوها من تحت الماء عام 1963. فالجزيرة البركانية - التي كانت شبه صحراوية - ظلَّت مُصانة تماماً من أي تدخل بشري، وباتت اليوم غنية بالنباتات والحشرات والطيور. أما سرّ تعميرها هذا، فيكمن في وضع حراري - مائي غير عادي.
عندما وطأ سفين جاكوبسون جزيرة سورتسي للمرة الأولى، في يونيو/حزيران 1964، كانت فوَّهة "سورتونغور" الواقعة على المنحدر الغربي للبركان تقذف حمماً حمراوية كبرى ما تلبث أن تنصبّ في البحر. وكان النشاط البركاني آنذاك متواصلاً منذ سبعة أشهر، وينتج عنه مزيج من الرماد البركاني والدخان والأبخرة المتعالية باتجاه سماء الجزيرة الناشئة. كانت "سورتور"، فوَّهة البركان الواقعة في الجانب الشرقي، خمدت لتوّها عندما بدأت "سورتونغور" ثورانها. " رأيت مشهداً خارقاً"، يقول سفين جاكوبسون، عالم الجيولوجية الآيسلندي الذي يدرس التحولات القائمة في سورتسي منذ 40 عاماً. "كنت لا أزال طالباً، وأشاهد لأول مرة في حياتي ثوران بركان... إنه لمنظر يحبس الأنفاس".
انبثقت سورتسي من قاع المحيط في نوفمبر/تشرين الثاني 1963. وفي غضون 4 أعوام، بلغت مساحة "قطرة" الأرض الصغيرة الواقعة على مسافة 32 كلم من آيسلندا جنوباً 2،65 كلم مربع، علماً أن أعلى نقطة فيها تبلغ 175 متراً فوق سطح البحر. وهي جزء من 18 جزيرة صخرية تنتمي إلى الأرخبيل الآيسلندي "فستمانايجار" (جزر وستمان)، الذي يشكل نظاماً بركانياً فتياً بدأ نشاطه قبل حوالي 000 100 عام. كما أنها أحدث جزيرة رأت النور في هذا الأرخبيل والثانية من حيث المساحة بعد هايماي المأهولة (13،6 كلم مربع).
وبفعل ظاهرة التآكل البحرية، تقلص حجم سورتسي إلى النصف قياساً بمساحتها الأصلية. لكن خلافاً لجارتيها الصغيرتين "سرتلينغور" و"جولنير"، اللتين لم تصمدا إلا 6 أشهر من الزمن، فإن سورتسي لن تمحى عن سطح الأرض قبل زمن طويل.
ويُعزى سر تعميرها إلى وضع حراري - مائي غير عادي: فمع دخول مياه البحر المسخنة بفعل الحمم إلى التفرا (المقذوفات البركانية)، تؤدي هذه المجموعة المسامية المكونة من رماد بركاني وقطع صخرية، فضلاً عن البخار الناتج عنها، إلى تحويل التفرا إلى فليس البالاغونيت (حجر قاس داكن بركاني الأصل). ويشرح جاكوبسون أن تركيبة البلاغونيت قريبة من البازلت، ويتسم بمتانة تتجاوز بكثير التفرا، ويقاوم التآكل. ولهذا السبب، فسوف يبقى وسط فليس البالاغونيت في سورتسي، الذي تبلغ مساحته حوالي 400 متر مربع (ما يعادل ملعباً لكرة السلة) سليمة دون تغير بوجه الاحتمال على مدى آلاف السنين.
جنة للعلماء 
|

© اليونسكو/سيغوردور أ. تراينسن
خايلة في عام 1963، إن الجزيرة اليوم غنية بالنباتات.
|
تشكل جزيرة سورتسي محمية طبيعية منذ عام 1965، وتتمتع بصون جيد لأن وجود البشر وأنشطتهم فيها كانت طفيفة على الدوام. فلا يؤذن لأحد بالدخول إليها باستثناء فريق من 6 إلى 10 علماء يعملون على دراسة تطور الجزيرة لفترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين سنوياً. وتقتصر الهياكل الأساسية البشرية القائمة فيها على تخشيبة ورصيف لهبوط طائرة مروحية ومنارة. كما يتعين على الباحثين السهر على عدم إدخال مواد عضوية وعوامل ملوِّثة إلى الجزيرة، وعدم ترك الفضلات فيها. وعلاوة على ذلك، ليس هناك أي صناعة ثقيلة أو نشاط خطر على البيئة ضمن شعاع يبلغ 50 كلم.
وسورتسي هي الجزيرة البركانية الوحيدة في العالم التي تشكل موضوع مراقبة كثيرة التدقيق كهذه منذ اليوم الأول لطفوها فوق الماء. ويؤكد سفين جاكوبسون بأنها "حظيت بأفضل وصف لهذا النوع من الثوران حتى يومنا هذا". وقد دُرس الاستيطان السريع للأنواع بعناية، وظهر أن الجزيرة بدأت أكثر فأكثر تشبه سائر جزر أرخبيل "فستمانايجار". "في الماضي، لم توجد فيها سوى حفنة من الأنواع، وكان يمكن وسمها ومشاهدة انتشار الحبوب"، يقول العالم النباتي الآيسلندي بورغتور ماغنوسن. لكن هذه الأنواع انتشرت بسرعة كبرى، مما يدفع بهذا الخبير إلى متابعة نموها، من الآن فصاعداً، في مواقع مختلفة ومحددة عبر الجزيرة.
وبعد طفو سورتسي بقليل، بدأت الطحالب وغيرها من المواد العضوية بالوصول إلى ضفة الجزيرة، وكانت البكتيريا والفطريات والكائنات المجهرية تتغذى بها. وفي الوقت ذاته، أتى المحيط والرياح بأولى الحبوب إلى الشاطئ. فانتشرت النباتات الساحلية كالسرمق والنباتات الحبيّة الأخرى تدريجياً على الرمال والتفرا. وفي عام 1970، بدأت الطيور البحرية، كطائر النوء الشمالي، بالتكاثر في جروف الجزيرة.
بعد 4 أعوام، شرع طائر النورس ببناء عشه هنا. ويؤكد بورغتور ماغنوسن أن "النورس ترك أثراً كبيراً جداً على نمو الجزيرة". إذ بدأ باقتلاع النباتات لبناء عشه في التلال الرملية الناشئة، مما حفَّز تنامي النباتات. وكان النورس أول طير يتوالد على مساحات الرمل والرماد في سورتسي. كما أنه جاء بحبوب تنتمي إلى أنواع نباتية جديدة وأخصب التربة ببرازه. وشوهد أول طير بري – يتغذى بالحشرات – في عام 1996. ويتابع العالم النباتي قائلاً: "إنه لأمر مثير جداً على الدوام أن نكتشف نوعاً جديداً. وكأنما نعثر على كنز في كل مرة".
تشكل جزيرة سورتسي ملتقى لطرق الهجرة بين أوروبا وآيسلندا والقطب الشمالي الكندي. وهذا ما يدفع بنوعين من الطيور المهاجرة إلى الاستراحة فيها بانتظام. وشوهد في مرات عديدة نوعان من الطيور النادرة، ولا سيما أكّال السراطين الأشعر. ويبلغ عدد الأنواع والطيور التي تتوالد فيها 12 نوعاً وأكثر من 200 1 طير.
جزيرة لبطة الصخور
|

© عمر رانولفسون
خلال 200 عام، سيكثر في الجزيرة بطّ الصخور
|
إلى جانب مجموعة الطيور التي لا تنفك تتزايد، تحصي سورتسي 335 نوعاً من اللافقاريات، ومن بينها الذبابة والفراشة والعنكبوت والرخويات. ويأتي عجل البحر للتوالد فيها أيضاً، في حين أن الهركول (جنس حيواني بحري من الحوتيات) والأركة وخنزير البحر والدلفين شوهدت على طول الساحل. بيد أن 4 أنواع نباتية من أصل 69 لم تصمد في الجزيرة.
وقد تمنح مادة معدنية جديدة بيضاء اللون عُثر عليها في عام 1991 اسم "سورتسيت"، يقول سفين جاكوبسون. كما حُددت في فوَّهات البركان المرصعة بالترسبات الملونة وفي تجويفات الحمم التي تعشش فيها رواسب كلسية متحجرة ومدهشة ما لا يقل عن 18 صنفاً من المعادن.
على الرغم من انتشار هذه الأنواع في غضون فترة لا تتجاوز نصف قرن، يتوقع بورغتور ماغنوسن أن تتحول سورتسي، خلال 200 عام، إلى جزيرة يكثر فيها بطّ الصخور، وهو طير يتميز برأس أبيض وأسود اللون، ومنقار برتقالي فاقع، وسترة سوداء. فالعشب بدأ يشبه العشب القائم في سائر جزر وستمان، حيث يطيب لبط الصخور أن يتكاثر ويبني أعشاشه. "ولربما يشكل أكبر مستوطنة للطيور في سورتسي إذ أنه سيتوالد أكثر فأكثر مع مرور الزمن" حسب العالم الآيسلندي.
الآن وقد جرى الاعتراف بسورتسي بوصفها جزءاً من التراث العالمي، تأمل جمعية بحوث سورتسي بـ"تعزيز الاهتمام بحماية سورتسي وإجراء مزيد من البحوث". هذا ما أعلنه رئيس الجمعية ستاينغريمور هيرمنسن، رئيس الحكومة الآيسلندية الأسبق. كما أن حارسة الجزيرة تأمل، في هذه المناسبة، في اجتذاب الباحثين الأجانب والأموال الأجنبية مجدداً.
اسم هذه الجزيرة مستوحى من إله النار "سورتور" في الميثولوجيا الآيسلندية. ومما لا شك فيه أن هذه الجزيرة لم تكف يوماً عن إلهاب حب اطلاعنا وفضولنا.
لورين مانغي، .
لورين مانغي ، متدرِّبة في رسالة اليونسكو.
العودة إلى الصفحة الرئيسية