ISSN 1993-8616

2008 - العدد السادس


كندا الاستوائية!





© اليونسكو/ والي هيز
الجروف في موقع جوغينز، هي "غالاباغوس عصر الفحم"

كانت غابة جوغينز تعج بنماذج "أم أربع وأربعين" - وكان طولها يبلغ مترين، - علاوة على "الأشجار ذات الصفائح القرنية الصلبة والمتراصة"، وكان علوها يبلغ 30 متراً. لقد بات هذا الموقع القائم على الساحل الغربي لمنطقة نوفا سكوشيا في كندا أشبه بغابة الأشباح. وقد أدرِجت الجروف ذات الأحافير في موقع جوغينز على قائمة التراث العالمي أخيراً، وتعدُّ من الروائع الجيولوجية.



هياكل عظمية متحجِّرة لضفدعيات وزواحف عالقة في أرومة شجرة - متحجِّرة هي الأخرى - وقد بقيت الحيوانات في وضع عمودي منذ 300 مليون عام – هذا ما اكتشفه العالمان تشارلز لايل (إسكتلندا) وتلميذه ويليام داوسن (نوفا سكوشيا) في منتصف القرن التاسع عشر، على سواحل نوفا سكوشيا في شرق كندا. منذ هذه المغامرة المذهلة التي خاضها العالِم الذي يُعتبر اليوم أب الجيولوجية الحديثة، وعالِم الجيولوجية الذي أصبح أكثر شهرة في كندا في القرن التاسع عشر، وجروف جوغينز ذات الأحافير تستقطب علماء الجيولوجية والطلاب والتلاميذ والفضوليين، أياً كانت أعمارهم.

وفي الواقع أن هذه الجروف ليست "متحجِّرة" وإنما مكوَّنة من صخور رسوبية قديمة جداً، تحوي متحجرات لنباتات وحيوانات كانت تعيش هنا في الفترة التي أودعت فيها فيضانات الأنهار رسوباً. إنها قصة قديمة ترقى إلى نهاية الحقبة الجيولوجية المعروفة بالعصر الفحمي.

ففي أعلى الجروف - التي يتراوح طولها بين 20 و30 متراً، والمكوَّنة من طبقات مائلة من الصخور الرسوبية الفحمية – تمتد طبقة طينية سميكة (10 إلى 12 متراً). وقد أودِعت هنا منذ حوالي 000 13 عاماً، عند ذوبان طبقة الجليد السميكة التي كانت تغطي المنطقة خلال العصر الجليدي الأخير.

تقع هذه الجروف على شاطئ خليج "شيغنكتو"، بالقرب من رأس خليج "فاندي"، في شمال شرق وجنوب غرب مدينة جوغينز الصغيرة. وتتميز طبقات العصر الفحمي القديم بانحراف باتجاه الجنوب (حوالي 20 درجة). كما تتقاطع فيها، هنا وهناك، قنوات المجاري المائية المتعرجة التي نزحت عبر السهول المعرضة للفيضانات آنذاك. ثم أودعت فيضانات جديدة طبقات رسوبية أخرى، مخلفة وراءها رسوباً فظة في مرحلة أولى، ورسوباً أكثر رقة على أثر تناقص المياه.

لكن الصخور الرسوبية الفحمية ومحتواها المتحجِّر ليست ذات منشأ بحري وإنما بري تماماً. وهي توفر مؤشرات عديدة بشأن البيئة والمناخ في نهاية العصر الفحمي. كما أن كل شيء يشير إلى أن الترسّب حصل في مناخ استوائي، على قطعة من قشرة الأرض كانت تقع في منطقة مدارية، بالقرب من خط الاستواء.

ومنذ تلك الحقبة، أدّت الحركات الناتجة عن الانتشار القاعي البحري (طفو القارات) إلى انزلاقها شمالاً حتى موقعها الحالي، في منتصف المسافة بين خط الاستواء والقطب الشمالي.

أم أربع وأربعين عملاقة...


© اليونسكو/ والي هيز
منذ اكتشافها، لم تتوقف جروف موقع جوغينز من جذب السياح.

ومن بين الحيوانات التي كانت متواجدة في أدغال جوغينز خلال العصر الفحمي، لا ريب أن أكثرها إثارة للدهشة هو حيوان من نوع المفصليات، شبيه بأم أربع وأربعين عملاقة، وكان طوله يبلغ مترين، ويتغذى بالنباتات المتحللة على أرض الغابة. فلقد عُثر على آثار أرجله، وكانت قابلة للتحديد بإحكام على بلاطات كبرى اكتشِفت في عام 1964 بين الأنقاض الهائلة بالقرب من منطقة "لوير كوف" (في شمال الموقع). وجرى استعادتها في عام 1966، وكانت موضوع صبّ مكوَّن من الراتنج المتعدد الإستر والألياف الزجاجية، عُرض في جامعة ماونت أليسون – ساكفيل (نيو برانزويك) حتى عام 1999، ثم نقِل إلى متحف فاندي الجيولوجي في بارسبورو بنوفا سكوشيا. ويمكن مشاهدة قطعة كبيرة من بلاطة تحمل آثار أرجل أصلية في مركز معلومات جوغينز الجديد.

بيد أنه لم يُعثر على نموذج الحيوان نفسه. ونظراً إلى كمية آثار الأرجل التي عُثر عليها، فمن الأرجح أنه كان منتشراً على نطاق واسع في المنطقة. وما زالت آثار مماثلة قائمة في طبقات أخرى من العصر الفحمي القديم في مناطق أخرى من البلاد، وفي الجانب الآخر من المحيط الأطلسي – في جزيرة أران عند مصب نهر كلايد، في غرب إسكتلندا.

وإلى جانب الحيوانات البرية، توجد في جوغينز أيضاً متحجرات لحيوانات من المياه الحلوة، فضلاً عن أمثلة نادرة عن حشرات جوية طائرة وشبيهة بيعسوب كبير.

... وأشجار ذات صفائح قرنية صلبة ومتراصة


© اليونسكو/ والي هيز
شجرو متحجرة

في هذه الأدغال الاستوائية كانت تنمو "الأشجار ذات الصفائح القرنية الصلبة والمتراصة". وكانت قشرتها مغطاة بندوب ورقية.

اتسمت بحجمها الهائل. إذ أن قطر الجذوع المتحجِّرة يبلغ أحياناً متراً واحداً في القاعدة، ويقدَّر طول الأشجار بـ30 متراً. فجذورها و "الستيغماريا" متشابهة. كما نجدها عادة في طبقات التربة المتحجرة (المسماة بـ"الحاجز الطيني") التي نمت فوقها الأشجار. تقع هذه الطبقات عادة تحت عروق الفحم المكونة من بقايا الأشجار والنباتات المتعفنة، وتراكم الترب على أرض الغابة، المطمورة تحت الطبقات الرسوبية (والغابات المتعاقبة) والمضغوطة تدريجياً على مر الزمن.

وفي مناطق المستنقعات، كان نبت الحراج غنياً بالفحمية، وهي نبتة قريبة من ذنَب الفرَس. نجد آثاراً عديدة لها في جوغينز. أما الأوراق، فهي أقل انتشاراً ورفيعة كالإبرة.

فإذا استهوتكم فكرة العودة إلى ذكريات الماضي، يجب أن تعلموا أن شاطئ ومنطقة جزر دوغينز تفيض بالآثار المحفوظة في الحجر الرملي. لكن حذار! فالموقع يتمتع بالحماية ويُمنع قطعاً استخراج الأحافير من الجروف والشعَب الساحلية دون إذن خاص.


لينغ فيرغسون،أستاذ جيولوجية بارز في جامعة ماونت أليسون – ساكفيل (نيو برانزويك، كندا)

    العودة إلى الصفحة الرئيسية