
|
 © اليونسكو/باباك صديقي
نقوش، بيستون، إيران
|
يستعيد البروفسور دايفيد ستروناك، عالم الآثار والمدير الأسبق للمعهد البريطاني للدراسات الفارسية في طهران (1961-1980)، بحنين وتوق تجاربه المتعددة في موقع بيستون الأثري (إيران)، بنقوشه وكتاباته المسمارية، على ارتفاع 70 متراً من الوادي.
على الرغم من انقضاء عدة عقود على زياراتي الأولى لبيستون، إلا أنني ما زلت أتذكر كلاً منها بأدق التفاصيل. ومن المؤكد أن أي عالم للآثار له اهتمامات بالحقبة الأخمينية في إيران، وبالأخص بعهد الملك داريوس الكبير، قد اطلع عن كثب على الكتابات والنقوش على حاجز بيستون الصخري الكبير إحياءً لذكرى داريوس ووصوله إلى الحكم عام 522 قبل الميلاد. وسرعان ما أصبح موقع بيستون بالنسبة إلي كمخزن فريد للمعرفة أحتاج للعودة إليه مرة بعد أخرى.

|
 © دافيد ستروناك
البروفيسور كاميرون مع حسن في بيستون عام 1963
|
رحلة برفقة جورج كامرون
"لقد ساهمت زيارة أخرى لي إلى بيستون برفقة المؤرخ الشهير لمختلف الحقب الإيرانية القديمة، البروفسور جورج ج. كامرون، بتذكيري بشكل دقيق جداً بماضي هذا الموقع العظيم.."
وبات لا يخفى على أحد أن رولينسون بذل جهوداً استثنائية، بدايةً في عام 1836، ومن ثم في عام 1847، لتأمين نسخ يمكن الركون إليها لمختلف الكتابات المسمارية.
بيد أن رولينسون نفسه لم يتمكن يوماً من بلوغ الصخرة المتدلية التي نقشت عليها كتابات داريوس البابلية. وفي نهاية الأمر، كما سرد رولينسون القصة بنفسه، "تطوع صبي كردي لا يأبه للخطر بالمحاولة". ولا مجال هنا لتقديم وصف كامل للطريقة التي استخدمها الصبي لتثبيت تعليقة خشبية على أحد جانبي الصخرة المنقوشة، قبل اجتيازها ببراعة وتثبيت تعليقة ثانية استطاع من خلالها، بواسطة حبل وسلم قصير، إنشاء مقعد هزاز". واستطاع الصبي، انطلاقاً من هذه الأداة الهشة، وتبعاً لتوجيهات رولينسون، القيام بدمغ النص البابلي على الورق.
وعلى الرغم من النجاح البارز لهذا الجهد المحفوف بالمخاطر، أدرك جورج كامرون، الذي كان يعنى بالكتابات المنقوشة خلال حملة إريك شميت إلى برسيبوليس أواخر الثلاثينات، بأن إعداد صورة محدثة لما أصبحت عليه الكتابات البابلية التي يصعب الوصول إليها بات أمراً ضرورياً – فقرر في مطلع الخمسينات القيام باللازم باستخدام لبن الشجر لدمغ الكتابات. وبمصادفة غريبة، شهدت بعض جوانب "المغامرة المسمارية الأخيرة" في بيستون. إذ قرر البروفسور كامرون، وكان قد اقترب من نهاية حياته المديدة، في عام 1970، زيارة حائط بيستون الصخري مجدداً. وشعر بالحاجة إلى صديق أصغر منه سناً في هذه الرحلة. وبما أن معرفة طيبة كانت تربطنا، فقد عرض علي بلطف أن أرافقه.
بعدما استعرنا سلماً طويلاً من مصفاة النفط المجاورة في كرمنشاه (التي تدعى بختران اليوم)، وبدأنا نسلك الطريق المؤدية إلى بيستون، قال لي جورج كامرون كيف أنه استطاع هو أيضاً قبل أعوام عدة، العثور على صبي حذق في القرية يدعى حسن. ووصف لي كيف أن حسن قام بالحركات نفسها التي أداها الصبي الكردي وتمكن بهذه الطريقة من نصب مقعد هزاز جديد. ثم سرد لي كيف أن حسن جلس بعناية على المقعد ودهن السائل اللبني على الورقة وراح ينتظر حتى يجف، فنزع أخيراً الوثيقة القيمة وعاد بها أدراجه.
توقفنا قليلاً في بيستون، فسأل البروفسور كامرون شخصاً كان يقف إلى جانب الطريق عما إذا كان يستطيع إيجاد حسن والقول له إنه – كامرون – قد عاد. خلال دقائق معدودة، جاءنا حسن وكان في الأربعينات من عمره. رجل نحيل يرتدي ثياباً أنيقة. كان تبادل التحيات حاراً. ثم وقعت على مشهد غير اعتيادي. وبدا لي أن نصف سكان القرية تجمعوا عند أسفل الحائط وهم يرفعون أنظارهم إلينا. ولا شك أن النبأ كان قد ورد إلى مسامعهم في ثوان معدودة: "لقد عاد كامرون !"
دايفيد ستروناك، جامعة كاليفورنيا – بيركلي (الولايات المتحدة الأمريكية)