ISSN 1993-8616

التراث العالمي


ذكريات بيستون






© اليونسكو/باباك صديقي
نقوش، بيستون، إيران

يستعيد البروفسور دايفيد ستروناك، عالم الآثار والمدير الأسبق للمعهد البريطاني للدراسات الفارسية في طهران (1961-1980)، بحنين وتوق تجاربه المتعددة في موقع بيستون الأثري (إيران)، بنقوشه وكتاباته المسمارية، على ارتفاع 70 متراً من الوادي.













على الرغم من انقضاء عدة عقود على زياراتي الأولى لبيستون، إلا أنني ما زلت أتذكر كلاً منها بأدق التفاصيل. ومن المؤكد أن أي عالم للآثار له اهتمامات بالحقبة الأخمينية في إيران، وبالأخص بعهد الملك داريوس الكبير، قد اطلع عن كثب على الكتابات والنقوش على حاجز بيستون الصخري الكبير إحياءً لذكرى داريوس ووصوله إلى الحكم عام 522 قبل الميلاد. وسرعان ما أصبح موقع بيستون بالنسبة إلي كمخزن فريد للمعرفة أحتاج للعودة إليه مرة بعد أخرى.



© اليونسكو/باباك صديقي
تسلق الصخور والوقوع على بعض المفاجآت

عندما أتذكر بيستون، تتبادر إلى ذهني بشكل خاص، وقبل أي شيء آخر، صورة شخصية. نحن في عام 1965. عيناي مغمضتان بإحكام (بعدما ملأهما الغبار)... أصابعي تضغط على فجوتين صغيرتين في الصخر، ورجلاي متدليتان، فيما أنا مدرك تماماً لاحتمال سقوطي من المسافة الشاهقة التي تفصلني عن الأرض. قد تتساءلون كيف أن شخصاً لم يُعرف بسلوكه الطائش المتهور قد وضع نفسه في مثل هذا المأزق.

كنت قد تمكنت من استعارة سلم طويل للقيام بزيارتي الأولى إلى الصخور الشاهقة المحيطة بصرح داريوس الرائع. وحاولت أن آخذ معي كل ما يخطر وما لا يخطر على بال أحد. ووجدت أن الرائد هنري رولينسون (الذي أصبح حامل لقب "سير" لاحقا)، كان أول زائر يبلغ أعلى الصرح في تاريخنا المعاصر، وقد نقش اسمه على سطحه المنبسط في عام 1836.

ثم وقعت عيناي صدفة، في الجانب المقابل لشق عريض، على ما كان أشبه بجوف لإضرام النار في الصخر لم يسبق لأحد أن اكتشفه. وكانت لي اهتمامات بالطقوس النارية والأدوات التي تستخدم لاحتواء النيران (وكثيراً ما وقعت على أدوات تعكس الهوية الزرادشتية القديمة لإيران). كما أعتقد أن التصميم الجريء لرولينسون بنسخ جميع كتابات داريوس (المنقوشة بثلاث لغات) هو الذي جعلني أفرط في المغامرة. لكن الحظ حالفني في النهاية، واتضحت الرؤية أمام عيني، فرفعت بنفسي إلى الأعلى. وكان اكتشافي بالفعل لافتاً للنظر (حتى ولو كنت أجهل سبب تواجده في ذلك المكان). ثم استطعت العودة من حيث أتيت، بقيامي هذه المرة بقفزة ناجحة باتجاه الحائط الصخري الرئيسي الآمن نسبياً.



© دافيد ستروناك
البروفيسور كاميرون مع حسن في بيستون عام 1963

رحلة برفقة جورج كامرون
"لقد ساهمت زيارة أخرى لي إلى بيستون برفقة المؤرخ الشهير لمختلف الحقب الإيرانية القديمة، البروفسور جورج ج. كامرون، بتذكيري بشكل دقيق جداً بماضي هذا الموقع العظيم.."

وبات لا يخفى على أحد أن رولينسون بذل جهوداً استثنائية، بدايةً في عام 1836، ومن ثم في عام 1847، لتأمين نسخ يمكن الركون إليها لمختلف الكتابات المسمارية.

بيد أن رولينسون نفسه لم يتمكن يوماً من بلوغ الصخرة المتدلية التي نقشت عليها كتابات داريوس البابلية. وفي نهاية الأمر، كما سرد رولينسون القصة بنفسه، "تطوع صبي كردي لا يأبه للخطر بالمحاولة". ولا مجال هنا لتقديم وصف كامل للطريقة التي استخدمها الصبي لتثبيت تعليقة خشبية على أحد جانبي الصخرة المنقوشة، قبل اجتيازها ببراعة وتثبيت تعليقة ثانية استطاع من خلالها، بواسطة حبل وسلم قصير، إنشاء مقعد هزاز". واستطاع الصبي، انطلاقاً من هذه الأداة الهشة، وتبعاً لتوجيهات رولينسون، القيام بدمغ النص البابلي على الورق.

وعلى الرغم من النجاح البارز لهذا الجهد المحفوف بالمخاطر، أدرك جورج كامرون، الذي كان يعنى بالكتابات المنقوشة خلال حملة إريك شميت إلى برسيبوليس أواخر الثلاثينات، بأن إعداد صورة محدثة لما أصبحت عليه الكتابات البابلية التي يصعب الوصول إليها بات أمراً ضرورياً – فقرر في مطلع الخمسينات القيام باللازم باستخدام لبن الشجر لدمغ الكتابات. وبمصادفة غريبة، شهدت بعض جوانب "المغامرة المسمارية الأخيرة" في بيستون. إذ قرر البروفسور كامرون، وكان قد اقترب من نهاية حياته المديدة، في عام 1970، زيارة حائط بيستون الصخري مجدداً. وشعر بالحاجة إلى صديق أصغر منه سناً في هذه الرحلة. وبما أن معرفة طيبة كانت تربطنا، فقد عرض علي بلطف أن أرافقه.

بعدما استعرنا سلماً طويلاً من مصفاة النفط المجاورة في كرمنشاه (التي تدعى بختران اليوم)، وبدأنا نسلك الطريق المؤدية إلى بيستون، قال لي جورج كامرون كيف أنه استطاع هو أيضاً قبل أعوام عدة، العثور على صبي حذق في القرية يدعى حسن. ووصف لي كيف أن حسن قام بالحركات نفسها التي أداها الصبي الكردي وتمكن بهذه الطريقة من نصب مقعد هزاز جديد. ثم سرد لي كيف أن حسن جلس بعناية على المقعد ودهن السائل اللبني على الورقة وراح ينتظر حتى يجف، فنزع أخيراً الوثيقة القيمة وعاد بها أدراجه.

توقفنا قليلاً في بيستون، فسأل البروفسور كامرون شخصاً كان يقف إلى جانب الطريق عما إذا كان يستطيع إيجاد حسن والقول له إنه – كامرون – قد عاد. خلال دقائق معدودة، جاءنا حسن وكان في الأربعينات من عمره. رجل نحيل يرتدي ثياباً أنيقة. كان تبادل التحيات حاراً. ثم وقعت على مشهد غير اعتيادي. وبدا لي أن نصف سكان القرية تجمعوا عند أسفل الحائط وهم يرفعون أنظارهم إلينا. ولا شك أن النبأ كان قد ورد إلى مسامعهم في ثوان معدودة: "لقد عاد كامرون !"

دايفيد ستروناك، جامعة كاليفورنيا – بيركلي (الولايات المتحدة الأمريكية)