التراث العالمي
جسر بين عالمين

|
 © اليونسكو/نيف بيرك
الجندول المعلق
|
في نهاية القرن التاسع عشر، كلف مارتن ألبرتو دي بالاسيو ي إليساغ ببناء جسر يربط نهر نرفيون ببلاد الباسك (إسبانيا). وأرفق هذا الطلب بشرط واحد هو إتاحة حركة الملاحة على النهر. وفي سعيه لمواجهة هذا التحدي، وضع المهندس تصميماً لأول جسر حديدي مزود بمعبر.
على ضفاف بيلباو يقع أول جسر مُناقل (جسر معلق يستخدم للعبور من ضفة إلى أخرى) جرى بناؤه في العالم. إنه جسر عملاق ورائع، يقوم على دعائم معدنية، تماماً كبرج إيفل.”“تلك هي العبارات التي كنا نسمعها صغاراً عندما كان يصطحبنا الكبار إلى لاس أريناس لرؤية جسر بيسكاي المعلق، الذي يعد من روائع الهندسة المعمارية ويزاوج بين المنفعة والحس الجمالي.
وروى جدي أنه يذكر تماماً المكان الذي بني فيه الجسر، إذ كثيراً ما تردد إليه في صغره، وكان أشبه بمزبلة. كان الجسر الشيء الوحيد الذي يستحق عناء الزيارة، ويجمع بين عالمين: الضفة اليمنى، ببهائها وأناقتها، مكان اصطياف الأثرياء؛ والضفة اليسرى، ببشاعتها وجانبها المهمل، حيث كان يقيم عمال القطاع الصناعي.
جسر حديدي معلق يربط ضفتي نهر نرفيون ويبلغ طوله 160 متراً. يرتكز على أربع دعائم يبلغ علوها 43 متراً، وتكمن فرادته في احتوائه على "معبر" معلق يتيح نقل الأشخاص والمركبات والسلع.
قام المهندس مارتن ألبرتو دي بالاسيو ي إليساغ، المتحدر من بيسكاي، بتصميم هذا البنية منذ أكثر من قرن، بعدما كلفته السلطات المحلية بإعداد جسر لنقل الأشخاص والسلع، مع إتاحة حركة الملاحة، إذ هذا ما تقتضيه الصناعة الحديدية في المنطقة.

|
 © اليونسكو/نيف بيرك
|
بنية متميزة
بعدما درس مختلف الإمكانيات التي كانت متوفرة في ذلك الحين، لا سيما في مجال آليات النقل (السكك الحديدية، القوارب، الشاحنات المسطحة لنقل البضائع) وأنواع الجسور (الجسور المرتفعة، الجسور المتحركة، الجسور المعلاة، جسور الأنفاق)، صمم المهندس هذه البنية التي دعاها بنفسه "الجسر المُناقل بالاسيو"، فكسب بذلك التحدي المزدوج الذي كان يواجهه.
ولم تستغرق أعمال البناء التي بدأت في 10 نيسان/أبريل 1890 أكثر من عامين بالكاد، بدءاً من البنية الرئيسية، وصولاً إلى "معبر" النقل المؤلف من جزء مغطى لركاب الدرجة الأولى، وجزء مكشوف لركاب الدرجة الثانية والمركبات والسلع والماشية.
بعد تدشينه في عام 1893، أصبح الجسر أول عمل هندسي يمتلك تلك الخصائص في التاريخ. ولاقى الإنجاز اعترافاً على الصعيد الدولي، وسرعان ما جرت مقارنته بصروح حديدية أخرى، كبرج إيفل. كما أن صداقة شخصية كانت تربط المهندس غوستاف إيفل ببالاسيو.
مع بداية الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936، تحول جسر بيسكاي إلى إحدى نقاط استهداف قوات فرانكو التي كانت تحاول احتلال بلاد الباسك. وفي 26 نيسان/أبريل 1937، قصف فوج "كوندور" مدينة غويرنيكا، وكان يتألف من كتيبة طائرات ألمانية وضعها هيتلر في تصرف فرانكو. وبعد مرور شهرين بالكاد، في 17 حزيران/يونيو 1937، قصفت إحدى الكتائب الجمهورية المدافعة عن بيسكاي الجسر لمنع مرور قوات فرانكو، وكانت تدعى "مهندسو جيش الشمال".
.

|
 © اليونسكو/نيف بيرك
|
عملاق حديدي
"وقد شملت عملية إعادة البناء التي استغرقت عامين بعض التحسينات الفنية، كإدراج نظام تعليق ودعائم مستعرضة."
وجرى استئناف النشاط على الجسر في عام 1941.
ينتصب جسر بيسكاي اليوم وسط مشهد طبيعي. زرقة المياه، ورابية الضفة الغربية، والأشجار المصطفة على حافة النهر تبدو كلها وكأنها تنعم بحماية هذا العملاق العطوف.
صرنا اليوم كباراً. والشرخ الذي كان قائماً بين الضفتين، بحسب روايات جدي، تلاشى شيئاً فشيئاً. ولا شك أن بناء متحف غوغنهايم في عام 1997 لعب دوراً في تحديث بيلباو. لكن الفرحة التي نشعر بها منذ الطفولة لدى عبورنا من الضفة الأولى إلى الضفة الثانية من المصب داخل هذا التلفريك المتطور بقيت هي هي. ومن المؤكد أن جدي لكان سيتأثر كثيراً لو رأى هذا الجسر وقد أدرج على قائمة التراث العالمي.
لورا برديجو - بيلباو