ISSN 1993-8616

التراث العالمي


مشهد طبيعي بلون التكيلا





© اليونسكو/كارلوس توماس
بحر من الأغاف الأزرق

تستخدم عشبة الأغاف، التي تنبت في أودية خاليسكو (المكسيك) ليس فقط لصناعة مشروب التكيلا المكسيكي الشهير. فهذه النبتة الزرقاء تطبع كامل المنطقة بهويتها، وقد بات المشهد الطبيعي للأغاف مدرجاً على قائمة التراث العالمي








"مساحات زرقاء شاسعة على مد النظر في أودية جاليسكو القاحلة، لكنها زرقة مختلفة عن لون السماء ولون البحار، يتخللها تموج خضراوي ورمادي."
مساحات تمتد من منحدرات جبل تكيلا إلى الأودية العميقة التي رسمها نهر سانتياغو. من قمة الجبل، تتراءى لك مملكة الأغاف بكل عظمتها. نباتات شائكة على شكل نجوم زرقاوية خضراوية اللون... تشكل معطفاً واسعاً من الأوراق المقرَّنة التي تلتقط بأناة أشعة الشمس لتحولها أولاً إلى سكر، ومن ثم إلى مشروب التكيلا بواسطة خبرة الإنسان.
يقال إن الأغاف نبتة عنيدة، تماماً كالناس الذين يعيشون بقربها، وإن جذورها تنبت في الأراضي القاحلة، حيث تنهل الحياة وتزهر. نبتة ليفية تحسن المقاومة. جلودة، لكنها فرحة أيضاً. تتسم بأوراق طويلة ومتينة، منبسطة بدءاً من العنق الكروي، مما يجعله متوارياً بعض الشيء. ويدعى العنق "الكرة"، "رأس" الأغاف أو "قلبها"، وهو الفتحة القائمة على مستوى التربة حيث تخزن النبتة عصيرها الذي سيحوَّل يوماً إلى مشروب التكيلا
.



©اليونسكومكارلوس توماس
نبتة الأغاف

حصاد يأخذ مداه

يستغرق بلوغ الأغاف مرحلة النضج ثمانية أعوام على الأقل، قبل أن يحلّ موسم الحصاد. فتقطع أوراق النبتة ورقة ورقة لاستخراج القلب الذي يزن ما لا يقل عن 20 كلغ.
مهلاً... فالطبيعة لا تعرف العجلة. ومتذوق التكيلا أيضاً. هو يدرك تماماً عدد الأعوام التي تحتاج إليها النبتة لتنضج، وخبرة الرجال الذين يقطعون أوراقها واحدة تلو الأخرى بصبر وأناة، وعملية الطهو التي تتواصل ساعات وأياماً على نار خفيفة. هو يعرف أنه يجب انتظار تخمر العصير قبل أن ينقل إلى آلات التقطير التي أتى بها الإسبان، ومن ثم تركه ليهدأ في ظلمة وبرودة البراميل الكبرى.
يتلذذ المتذوق بشرب التكيلا وهو جالس على كرسي عريض مصنوع من خشب المنطقة، في البرودة المظللة لفناء الدار، أو على المصطبة. يشرب الكأس مع الاحترام الذي نكنّه للأسلاف، مع إحساس بالعرفان لمن علمنا أن نحب الانتظار.
والأغاف سخية أيضاً إزاء الأطفال والمتحفظين عن شرب الكحول. فالقلب مكون من قطع يمكن استخراجها بسهولة بعد عملية الطبخ. كما أن هذه الأجزاء التي تتزين تحت حرارة الفرن بلون القهوة، لون مائل إلى اللمعان، تشكل قطع حلوى لذيذة. وكثيراً ما نرى هذه الحلوى الغريبة معروضة على حافة الطريق وفي الساحات وحفلات القرى. تمضغ لاستخراج عصير عالي الحلاوة، حتى لا يبقى منها سوى ألياف لا طعم لها، فتبصق. وتنتج الأغاف عسلاً أيضاً.





© إنياسو غوميز أريولا
قطارة سان خوسيه دورفيجيو، خاليسكون المكسيك

النبتة الملهبة

اشتهرت التكيلا كمشروب كحولي "مرير" النكهة. وقدمتها الصناعة السينمائية المكسيكية في عصرها الذهبي إلى العالم أجمع بوصفها المشروب الذي يلهب صدور الفرسان المكسيكيين الشجعان ويدفعهم إلى القتال. لكنها تخلصت أخيراً من صورتها كمشروب مخصص للرجال. وغالباً ما يتم تذوقها في جو عائلي لفتح الشهية. وعلى الرغم من إمكانية مزجها بالماء الغازية، إلا أن المتذوقين يفضلون شربها "جافة"، أي نقية. وهم يقدمونها في قدح صغير مخصص لجميع نكهات التكيلا، أو في أوانٍ صغيرة من الطين. كما أن النساء بدأن يتذوقنها أكثر فأكثر. ولا تتوانى بعض الأمهات عن تبليل إصبعهن في مشروب التكيلا قبل فرك لثة أطفالهن لتهدئة أوجاع الأسنان.
في المكسيك، تدعى فترات العصر المتأخرة الغائمة التي تحث على التأمل والبوح tardes tequileras، نسبة إلى التكيلا، لكن كل أيام السنة تصلح لتناول هذا المشروب الوطني الذي يتم إنتاجه بصبر وحكمة في المساحات الزرقاء الرائعة لحقول جاليسكو.

خوان كارلوس نونيز بوستيوس - غوادالاخارا