العدد السابع 2007
نادين غورديمر: الصورة والكلمة

|
 © شيفر جانوس
|
في البدء كانت الكلمة. الكلمة الإبداع. ثم الكلمة المكتوبة مع أولى الأحرف الهيروغليفية ورموز النظم الكتابية المنقوشة على الحجر أو المخطوطة على ورق البردي، ورقوق الجلد، ثم ّطباعة غوتنبرغ. تلك كانت الولادة الثانية للكلمة، التي تشير إلى قدرة خارقة يملكها البشر دون غيرهم ضمن معجزة الخلق.
أفلا يتعين أن يُدرج ضمن أهداف الألفية الجديدة التي كرِّست لتحديد حقوق الإنسان وتعزيزها، محو الأمية كحق إنساني أساسي غير قابل أن تتحوَّل ملكيته من شخص إلى آخر؟ حتماً.
لكن اليونسكو تفيد عن أن حوالي 700 مليون شخص من الكبار ما زالوا يجهلون القراءة والكتابة في عصرنا هذا، وأن أكثر من 100 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة، أي أنهم محرومون من إرثهم المشروع، معرفة القراءة والكتابة. في جنوب أفريقيا، حيث أكتب هذه الكلمات، تناهز الأمية في مناطق ريفية معينة نسبة 50%. فما هي الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة في كافة مناطق العالم؟ لا شك أن الفقر ونقص المرافق التعليمية تعدُّ من أبرز الأسباب في البلدان الفقيرة والنامية. وتتبدى الآثار الاقتصادية السلبية لهذا الوضع على مستوى الفئات المتواضعة – لا سيما في مصنع لتجميع السيارات في جنوب إفريقيا، حيث كشفت دراسة أن العديد من العمّال في نظام العمل المُسَلسَل يستجيبون فقط للأوامر الشفهية لأنهم لا يجيدون قراءة أي بلاغ أو بيان خطي. أما على مستوى التعليم العالي، فتواجه الجامعات مشكلة الطلاب المؤهلين ظاهرياً للدخول رغم افتقارهم للمفردات ومهارات الكلام المكتوب التي يُفترض أن يتمتعوا بها لمتابعة تحصيلهم الجامعي. ومن هنا النقص في عدد المرشحين المؤهلين لشغل مراكز جوهرية في مجال تنمية الحكم السليم والخدمات الاجتماعية والصناعة والتجارة. من جهة أخرى، أعلن الرئيس مبيكي أخيراً أنه سعياً لتلبية احتياجات الاقتصاد الذي يشهد نمواً سريعاً في جنوب إفريقيا - إذ يأتي في طليعة اقتصادات القارة الإفريقية على صعيد الموارد والبنى التحتية - بات يتعين على البلاد استيراد أشخاص مؤهلين من بلدان أخرى لملء الوظائف الشاغرة في موازاة بناء القدرات لدى مواطني جنوب إفريقيا للاضطلاع بمثل هذه المراكز، خصوصاً في مجال الصناعة. إنها صيغة محدَّثة للقول المأثور "كل شخص يعلِّم شخصاً آخر".

|
 © وفي باسول
|
لكن لنعد إلى هذه المسألة في المطلق. يبدو أنه يجب التذكير بأن محو الأمية، أي إتقان القراءة والكتابة، يشكل أساساً لجميع أشكال التعلّم. وهذا ينطبق أيضاً على مجمل المعارف العلمية المتطورة.
وبالعودة إلى الكلمة المكتوبة، يسود حالياً وضع يتمثل في انتشار شبه الأمية. وما من شك أنه يشتد حدّة في البلدان ذات التعدد اللغوي حيث أصبحت لغة أجنبية معينة، بنتيجة طول فترة الاستعمار، لغة مشتركة، أو لغة ثانية، دون أن تتحول إلى لغة أم أو لغة ينطق بها السكان تلقائياً. قد يكون المرء غير قادر على القراءة والكتابة باللغة المشتركة، وهذا أمر يمكن فهمه، على اعتبار أن الشخص يتقن بجرأة تحديداً، وبطبيعة الحال، الأبجدية والقراءة والكتابة بلغته الأم. بيد أن كاتباً وأكاديمياً بارزاً، البروفسور إزكيا مفاليلي، أكَّد لي أن السود في جنوب إفريقيا ينهون تحصيلهم المدرسي وهم أشباه أميين في قراءة وكتابة لغاتهم الأم تماماً كالبيض وغيرهم من المنتمين إلى ثقافات إتنية ولغوية مختلفة الذين ينهون تحصيلهم المدرسي في جنوب إفريقيا وهم أشباه أميين في لغاتهم الأم. وكأنّ القدرة على قراءة تعليق على لوحة إعلانات أو حوار بسيط في كتاب هزلي دون فهم مفردات قصيدة شعرية أو بناء نصّ في الأدب النثري، أو استخدام الكلمات بطرق مختلفة تفتح آفاقاً جديدة لفهم أعماق الذات لا علاقة له بمحو الأمية. وكأنّما هذه القدرة ليست حقاً إنسانياً لكل فرد.
ولا تشهد البلدان النامية وحدها هذا الوضع الثقافي المتداعي، علماً أن الأسباب الموضوعية تبرّر لها أكثر من غيرها اجتياز نصف الطريق في محو الأمية. فلقد أفادت كليات جامعية في الولايات المتحدة الأميركية عن بروز النتيجة ذاتها في نظمها التعليمية، مما يعكس القيم الثقافية السائدة في مجتمعاتها. وفي بريطانيا، ثمة قلق شديد أيضاً إزاء الشباب، رجالاً ونساءً، الذين وُلدوا وتلقوا تعليمهم في البلد الذي شهد ولادة اللغة الإنكليزية، وهم مع ذلك لا يتقنون القراءة والكتابة باستخدام الموارد الهائلة التي تزخر بها لغتهم الأم.
وفي حين أن الفقر والنقص في الفرص التعليمية يفسّران الثغرة الكبرى المتمثلة في ظاهرة الأمية عبر العالم، فإن هذا الوضع المأساوي لا يشكل السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة شبه الأمية.

|
 © فليك أر.
|
وفي الواقع أننا جميعاً، بدءاً من البلدان المتقدمة منذ زمن طويل، وصولاً إلى البلدان التي تجهد للتقدم عبر الهوة القائمة بين الأمم الغنية والفقيرة، نخضع لتهديد الصورة الماثل أمام الكلمة المكتوبة. فمنذ الثلث الأول للقرن العشرين والصورة تتحدّى سلطة الكلمة المكتوبة، الكلمة بوصفها حافزاً للخيال ونافذة إلى العمق البشري. وقد استبدِلت القصص التي كان يرويها الأهل لأطفالهم قبل الخلود إلى النوم في أوساط الطبقة الوسطى بساعة يمضيها الصغار أمام شاشة التلفزيون. أما في المدن الأكواخ عبر البلدان الفقيرة لكوكبنا، فإن انتشار الهوائيات لم يترك أي مكان للكتاب. كما أن المكتبات المدرسية أو التابعة للمجتمعات المحلية معدومة تماماً في القرى والمدن التي تتوفر فيها كاسيتات الفيديو. صحيح أن الصور التلفزيونية ترفق بالكلام الشفهي، وأحياناً بنص مكتوب، لكن الصورة هي التي تحدد الدور الثانوي للكلمة في هذه الحالة.
ويوفر الكاتب الأميركي ويليام غاس أفضل تحديد للكلمة المكتوبة "في بيتها"، أي ضمن الكتاب الذي يحتويها، بقوله: "لا يمكننا فهم ماهية الكتاب، ولمَ يكتسي قيمة مماثلة لقيمة الأشخاص... لو نسينا أهمية هذه الركيزة، أي البنية التي أنتِجت لاحتواء مجمل سطوره اللغوية بأمان... صحيح أن للكلمات على الشاشة مزايا افتراضية... لكنها كلمات تفتقر للمادية. إنها كالخيال.. فعندما تطفأ الأنوار تختفي هذه الكلمات دون أثر. ولا وجود لها بعيداً عن الشاشة. هي لا تنتظر أن يأتي أحد لإعادة قراءتها، وإنما تنتظر فقط أن يُعاد صنعها أو إضاءتها.
صورة النص والكلمة على الشاشة تتلاشى. ولرؤيتها ثانيةً، يجب أن تملك جهازاً بصرياً، أو هاتفاً محمولاً، أو بطارية، أو إمكانية الانتفاع بوصل كهربائي أو شبكي. أما الكتاب، فلا يحتاج إلى أي من هذه الأجهزة. يمكن حمله باليد ببساطة لقراءته، وتقليب صفحاته مرة بعد مرة، في الباص، والقطار النفقي، وحوض الاستحمام، وعلى قمة جبل، وفي طابور انتظار...
موقفنا هذا لا يعكس نظرة محافظة ترفض التقدم. فالخطوات الكبيرة التي أحرِزت في مجال تكنولوجيا الاتصالات تمثل ثورة في المعلومات وتنطوي على إمكانات هائلة للتنمية الاجتماعية فيما لو تمّ استخدامها بشكل جيد، أي بإتاحة الإمكانية الاقتصادية أمام الملايين عبر العالم للانتفاع بها، خصوصاً وأن حياتهم باتت مهددة بالانهيار أمام الحكم الاقتصادي للقلّة في زمن العولمة.
لكن المعلومات فحسب لا يمكن أن تحلّ أبداً مكان الاستنارة العقلية والروحية – أي البحث عن معرفة الفكر والروح المتصلة اتصالاً وثيقاً بالكلمة في محتواها، وجميع القرّاء يدركون ذلك تماماً.
أصبحت الكلمة كتاباً في فيلم.
ثمّ كتاباً في موقع ويب..
فلا تدعوا ذلك يحصل.