ISSN 1993-8616

العدد السابع 2007


من الابتكار إلى... التفتح، حكاية "توستان" الجميلة






© توستان
حوار في القرية

محو الأمية، الائتمانات الصغيرة، رفض ختان الإناث، تلك هي بعض مكتسبات منظمة "توستان"، الفائزة بجائزة اليونسكو/الملك سيجونغ لمحو الأمية لعام 2007. تتوجه برامج هذه المنظمة غير الحكومية إلى المراهقين والكبار الذين، في معظمهم، لم تطأ أقدامهم المدرسة يوماً. وتتميز "توستان" بتوفير التعليم باللغة الأم واستخدام تقنيات الاتصال التقليدية.









التفتحأنا مدينة له بديكارت، ومونتسكيو، وفيكتور هوغو، وموليير، وبلزاك. أنا مدينة له بكارل ماركس، ودوستويفسكي، وهمينغواي، وليوبولد سيدار سنغور، وإيميه سيزير وأنا مدينة له بسيمون دو بوفوار، ومارغريت يورسونار، ومرياما با والآخرين..التفاصيل


السبت 21 تموز/يوليو 2007. قاربت الساعة التاسعة صباحاً، ولم تخرج قرية "سام ندياي" من غفلتها بعد. إنها غفلة تعمّ المكان، خفيفة، مختلفة عن تلك التي تميّز قرى عديدة أخرى في السنغال. غفلة جذِلة، ولربما يمكن تفسيرها بالابتهاج النادر بالحياة الذي يتجلّى لدى سكان هذه القرية التي تشمل حوالي خمسمائة نسمة، وتقع على مسافة 80 كيلومتراً من دكار، وحوالي كيلومترين من أقرب طريق مسفلتة. لكنها لا تتمتع بشبكة كهربائية بعد.
تفاجئك تمنيات الترحيب الآتية من كل حدب وصوب... من كبير القوم الذي يستقبلك بحفاوة كبرى، والذي تقضي العادة بالقيام بزيارة مجاملة له، إلى رئيس رابطة "ديغو" المحلية ("وفاق" بالولوف، اللغة الأكثر انتشاراً في السنغال)، مروراً بنساء وأطفال "سام ندياي".

فضلاً عن الضيافة الأسطورية التي يُعرَف بها السنغاليون، لا سيما المقيمون في الأرياف، قد يُعزى اندفاع السكان أيضاً إلى طبيعة زيارتنا: صحافي يرافقه مدير برامج منظمة "توستان" أتى لإجراء تحقيق بشأن إنجازات المنظمة غير الحكومية التي اشتهِرت ببرنامج هام للتعليم الأساسي غير الرسمي. وفي الواقع أنه لا يُستهان بدور "سام ندياي" في حكاية "توستان" الجميلة، إذ أن القصة بدأت تحديداً من هنا.

تنتمي كلمة "توستان" إلى لغة الولوف، وتعني "التفتح". وأمام النتائج المحققة، يمكننا حقاً الحديث عن تفتح فعلي، مما يثير رضى وانبساط موللي ميلشينغ، المديرة التنفيذية لهذه المنظمة الهادفة إلى "نقل المعارف والمهارات الضرورية إلى المشاركين لكي يصبحوا أشخاصاً فاعلين ومسؤولين، قادرين على تحمّل عملية تنميتهم الاقتصادية وإحراز تغييرات اجتماعية في بيئتهم".



© توستان
مشاركات ثلاث

اللغة الأم، مفتاح النجاح

أنشأت موللي ميلشينغ منظمة "توستان" عام 1991، بعدما قامت بتطوير مركز موارد "دمب أك تيه" ("الأمس واليوم" بالولوف) بين عامي 1976 و1988، وكان مكرَّساً أيضاً للتعليم غير الرسمي. فاستطاعت الإفادة من اقتراحات المشاركين وعمليات التقييم الخارجية، وتكييف برنامج منظمتها الجديدة مع احتياجات السكان بشكل أفضل.

ويذكر خاليدو سي، مدير برامج "توستان"، أن الهدف في البداية كان تشجيع التعليم غير الرسمي لأطفال حي "المدينة" الشعبي في دكار، لا سيما الذين يشهدون ظروفاً معيشية شاقة وغير الملتحقين بالنظم التقليدية للتعليم الوطني. ويشرح قائلاً: "حصل الأطفال بذلك على الكتب، وتمكنوا من الذهاب إلى المسرح، ومشاهدة مسرح الدمى، والمشاركة في مختلف الألعاب والأنشطة المستوحاة من التقاليد السنغالية بلغتهم الأم". وقد نضجت هذه المبادرة مع الزمن فأثمرت عن نتائج ملموسة كما نراه جيداً في "سام ندياي" وفي العديد من المجتمعات المحلية الأخرى.

أما موللي ميلشينغ، فتشدد من جهتها على "أهمية تعليم حقوق الإنسان، ليس على المستوى الجامعي أو الأكاديمي، وإنما على مستوى السكان وباللغات الوطنية". وتوضح أن تعليم حقوق الإنسان يقع "في أساس جميع مشاريع التنمية القائمة في المجتمعات المحلية".

وتشعر المديرة التنفيذية بالفخر بشكل خاص بتحرّر النساء. فلقد بدأت المشاركات في برامج "توستان" بالتعبير علانيةً عن أفكارهن، كما أنهن يشاركن في اتخاذ القرارات ضمن العائلات وفي المجتمعات المحلية. وقد برز بعضهن كناطقات باسم تيارات مختلفة، كتلك القرويات في "ماليكوندا" اللواتي قرّرن كسر ممارسة قديمة مشؤومة تقضي بختان الإناث، وأصبحن بذلك رائدات في مجتمعهن.









© توستان
مركز توستان في منطقة تامبا كوندا في السنغال

التعلّم = الاستقلال

تنشط "توستان" خارج النظام التعليمي الرسمي وتتوجه إلى الأشخاص الذين، في غالبيتهم، لم يلتحقوا أبداً بالمدرسة. ويرمي برنامجها الخاص بتعزيز القدرات في المجتمعات المحلية إلى تزويد المشاركين بالمهارات في مجالات متنوعة كالديمقراطية وحقوق الإنسان والصحة والنظافة ومحو الأمية والإدارة والمحاسبة والائتمانات البالغة الصغر، إلخ. يمتد البرنامج على 30 شهراً ويستخدم التقنيات التقليدية للاتصال، كالنقاش والغناء والرقص والمسرح والشعر. وينفذه متطوِّعون تلقوا تدريباً خاصاً لهذا الغرض وينتمون عادةً إلى المجموعة الإتنية الخاصة بكل منطقة استقبال. كما أنهم يعيشون في القرى التي يقدّمون فيها حصصهم الدراسية ثلاث مرات أسبوعياً في صفوف تشمل ثلاثين مشاركاً. وتتمتع كل قرية بصف دراسي للمراهقين وصف آخر للكبار.

يقع المقر الدولي لمنظمة "توستان" في واشنطن (الولايات المتحدة الأميركية) حيث يعمل خمسة أشخاص (موظف دائم وأربعة متطوِّعين)، علماً أن لها مكتباً إفريقياً في العاصمة السنغالية. وبالإضافة إلى 66 موظفاً دائماً في دكار وتياس في السنغال، يعمل أكثر من 303 أشخاص عبر مختلف أنحاء البلاد. كما أن أكثر من 40 موظفاً دائماً و160 متعاقداً منتشرون في غينيا والصومال وغامبيا. وقد أطلِق برنامج مماثل في موريتانيا أخيراً.

منذ أكثر من 15 عاماً، طوَّرت "توستان" علاقات مع عدد من الجهات المانحة للمساعدات كاليونيسف ووكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة الأميركية، ومؤسسة "والاس"، وصندوق "والاس"، ومؤسسة هيلدا وجيكوب بلوشتاين، وعدد من المؤسسات والمانحين الفرديين. وتجاوزت نفقاتها السنوية عام 2006 مبلغ 000 200 3 دولار أميركي.

في إصدار لليونسكو*، لم تخطئ سينتيا غوتمان لدى تأكيدها أن "توستان دليل على أن الأفراد الذين لم يتلقوا أي تعليم رسمي، والآتين من قرى ذات موارد شحيحة، يستطيعون تحسين ظروف معيشتهم والبيئة المحيطة بهم بفضل برنامج جيّد التصميم يفتح لهم الآفاق لاستقلال أكبر".

* غوتمان، سينتيا: التفتح: برنامج "توستان" للتعليم الأساسي غير الرسمي باللغات الوطنية في السنغال، 1995.

بقلم ممادو أمات، صحافي سنغالي