العدد السابع 2007
القراءة في الصغر: من محو الأمية إلى الحفاظ على الصحة

|
 © القراءة في الصغر
الدكتور كنيث فوكس مع أحد مرضاه
|
مُنحت إحدى جائزتي اليونسكو/كونفوشيوس لمحو الأمية لهذا العام إلى منظمة أميركية تدعى «تشجيع القراءة منذ الصغر»، للجهود التي تبذلها إلى جانب مقدِّمي الرعاية الصحية بهدف الوصول إلى الأطفال المعرَّضين للانقطاع عن المدرسة والبقاء خارج النظم التعليمية في الأوساط المنخفضة الدخل.
كسر حلقة الفقر
لا يمكنني، كشاعر، أن أتخيّل حياة من دون كلمات. فاللغة هي العنصر الذي يقتات منه الذهن، وما تتصف به أساساً الكائنات البشرية. التفاصيل
كان ميغيل البالغ من العمر ثلاث سنوات يقيم في لوس أنجلوس (كاليفورنيا) مع والدته التي تعاني من مرض مزمن ومن الكآبة والفقر. رغم ذلك، كانت تحرص بانتظام على أخذ ميغيل إلى الطبيب لإجراء معاينته الصحية. وفي كل مرّة كان الطفل وأمّه يغادران عيادة الطبيب، كان ميغيل يقبض بإحكام على كتاب جديد من منظمة «تشجيع القراءة منذ الصغر». مع مرور الزمن، شعر الولد ووالدته بتعلق بهذه الكتب. وبعد عامين، أصبح ميغيل القارئ الأول في روضة الأطفال. فهو يهوى المطالعة وثمة مؤشرات تدل على أنه سيسعى إلى التعلّم مدى الحياة. من المؤكد أن ميغيل سيواجه العديد من الحواجز في مسيرته، لكن منظمة «تشجيع القراءة منذ الصغر» أضفت على حياته الأمل. ويقول طبيب الأطفال الذي يعاينه أن نجاح هذا الطفل إنما هو شهادة على قدرة «تشجيع القراءة منذ الصغر» في مساعدة العائلات على كسر حلقة الفقر.
وسيقدِّم آلاف الأطباء خلال الزيارات الصحية هذا العام ما مجموعه 4.6 مليون كتاب جديد إلى 2.8 مليون طفل، بما يشمل مرحلة الطفولة المبكرة. كما سيشرحون للأهل أهمية القراءة والجدوى منها. يشكّل برنامج «تشجيع القراءة منذ الصغر» البرنامج الأميركي الوحيد لمحو الأمية الذي شارك ممثلون عنه في مؤتمر البيت الأبيض لمحو الأمية في العالم. ولا بدّ من الإشارة إلى أن أطباء هذا البرنامج يوزعون الكتب الجديدة إلى أكثر من 000 3 مستشفى وعيادة ومستوصف ومركز صحي للأطفال عبر الولايات الأميركية الخمسين، بالإضافة إلى إقليم كولومبيا، وإقليم غوام، وبويرتو ريكو، والجزر العذراء الأميركية. وقد وزّع الأطباء الأميركيون حتى الآن أكثر من 20 مليون كتاب، فيما أطلِقت برامج دولية مصمَّمة تبعاً لنموذج «تشجيع القراءة منذ الصغر» في بنغلادش وإيطاليا وإسرائيل والفليبين وإنكلترا وكندا.
.

|
 ©القراءة في الصغر
أم تقرأ وتوأميها
|
اللغة والصحة
يركز برنامج «تشجيع القراءة منذ الصغر» على الأطفال الأكثر حرماناً الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات والذين يعيشون في حالة فقر أو قريبة من الفقر. وبات يقدم مساعدته إلى حوالي 25% من الأطفال الأميركيين الأشد فقراً. كما أن هذا العدد يتنامى يومياً. ويدخل كل طفل مشارك في البرنامج إلى روضة الأطفال وفي منزله مكتبة قد تشمل عشرة كتب، بعد أن يكون أحد والديه قد اطّلع خلال زيارات الطفل الصحية على أهمية الكتب والقراءة. ويحرص الأطباء المشاركون في البرنامج أيضاً على توزيع كتب جديدة مختارة بعناية وملائمة على المستويين التنموي والثقافي – بدءاً بأبسط الكتب المخصصة لمرحلة الطفولة المبكرة، إلى الكتب الأكثر تعقيداً والمرفقة بالصور لمرحلة التعليم قبل المدرسي. كما تتوفر الكتب الثنائية اللغة في 12 لغة. وتتمتع بعض المراكز الصحية بمتطوعين يقرأون على مسامع الأطفال في صالات الانتظار.
وأظهرت الدراسات أن البرنامج يحقق نتائج جيدة جداً. إذ أن الأهل الذين يحصلون على الكتب لأطفالهم ويستمعون إلى نصائح الأطباء والممرضات يبدأون عادةً بقراءة الكتب لأطفالهم، ثم بمزاولة القراءة بشكل أكثر فأكثر انتظاماً، وبشراء المزيد من الكتب لصغارهم. كما ظهر في العائلات المنخفضة الدخل التي تشارك في البرنامج تحسناً في النمو اللغوي للأطفال، وهو عنصر حاسم يشير إلى استعدادهم لدخول المدرسة. ويسجِّل هؤلاء الأطفال نتائج أفضل من سواهم بأربع إلى ثماني نقاط في مسابقة المفردات، مما يمنح الذين لم يتجاوزوا بعد العامين من العمر تقدماً في النمو اللغوي بحوالي 6 أشهر على سائر الأطفال. وقد أقرّت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال هذا البرنامج.
شارك في تأسيس برنامج «تشجيع القراءة منذ الصغر» طبيب يُدعى باري زوكرمان. يبلغ طول زوكرمان ستة أقدام وخمسة إنشات. وهو أشبه بعملاق وديع شغوف بعمله، يتسم بالدفء وبتصميم ثابت على السماح لجميع الأطفال ببدء حياتهم مع الكتب في المنزل والاستماع لأحد الأبوين وهو يقرأ القصص عليهم.
"أطلِق هذا البرنامج الفريد بدايةً في مستشفى مدينة بوسطن [الذي بات يُدعى مركز بوسطن الطبي]، وكان يهدف إلى جعل مبدأ محو الأمية معياراً أساسياً للرعاية الطبية للأطفال"، يقول زوكرمان، رئيس مجلس المنظمة ومديرها التنفيذي، ورئيس قسم طب الأطفال في مركز بوسطن الطبي التابع لكلية الطب في جامعة بوسطن، والأستاذ المحاضر في الجامعة نفسها. ويتابع قائلاً: "نستطيع اليوم الوصول إلى ملايين الأطفال في الولايات المتحدة وأصبحنا نشكل مثالاً يُحتذى به لإطلاق البرامج عبر مختلف مناطق العالم. لكننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق هدفنا بتيسير الكتب لكل طفل، وإسداء النصائح بشأن فوائد محو الأمية والمهارات القرائية لكل والد يعيش في حالة فقر".

|
 ©القراءة منذ الصغر
الدكتور باري زوكرمان يقرأ مع الأولاد
|
الاستفادة من البنى القائمة
على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية تعَدُّ بلداً غنياً وفقاً للمعايير الدولية، فإن 35% من الأطفال الأميركيين يبدأون بالذهاب إلى المدرسة وهم يفتقرون للمهارات اللغوية الضرورية لتعلّم القراءة.
"تتمثل إحدى المزايا الهائلة للبرنامج في الاستفادة من البنى القائمة للرعاية الصحية، وهي بنى متوفرة في كل بلدان العالم إذ تتمثل في تيسير الرعاية الصحية الأساسية للأطفال"، تقول بيري كلاس، الطبيبة، المديرة الطبية لبرنامج «تشجيع القراءة منذ الصغر» والأستاذة المحاضرة في مادة الصحافة وطب الأطفال في جامعة نيويورك.
وقد تلقى حوالي 000 46 مقدِّم للرعاية الصحية تدريباً خاصاً لتطبيق البرنامج منذ إنشائه عام 1989. وبات البرنامج ينفق أكثر من 30 مليون دولار أميركي سنوياً على أنشطته عبر الولايات المتحدة، ويتلقى دعماً من وزارة التربية الأميركية و12 ولاية ومدينة أميركية. كما أنه يتلقى هبات من المجالس البلدية والمؤسسات والأفراد.
وفي حين أن الأطباء يسدون النصائح الهامة خلال معايناتهم للأطفال، فلقد ظهر أيضاً أن هذه النصائح تؤدي إلى تغيير سلوك الأهل في المنزل. وتقول د. كلاس بهذا الصدد: "يتمتع البرنامج بسجل غني في مجال استعراض النظراء الخارجيين ودعم قوي من جانبهم. ولأننا نقدم الكتب للعائلات، فإننا نوفر لها بالتالي الأداة اللازمة لتطبيق النصائح".
وتختم بالقول: "يشكل التحسن اللغوي للطفل المؤشر الأقوى الذي ينبئ بنجاحه المدرسي. ويرمي برنامج «تشجيع القراءة منذ الصغر» للوصول إلى الأهل والأطفال في السن الحاسمة، قبل دخول الصغار إلى صف الروضة، لإتاحة الفرصة لهم بالذهاب إلى المدرسة وهم مُعَدّون تماماً للنجاح في مادة القراءة".
لورين فاسبيندر ، فاسبيندر وزملاؤها.