العدد السابع 2007
منارتا حياتي

|
 © غايل لوني
عبدالرحمن وابري أديب من جيبوتي
|
على غرار العديد من كتّاب الأمم الطالعة في ما يُعرف بـ"العالم الثالث"، بدأت رحلتي مع الكتابة بعدما شعرت بعدم الرضا إزاء الذين كتبوا عن بلادي وشعبي وثقافتي (أحرص الآن على وضع هلالين مزدوجين أمام مجمل هذه المفاهيم). فلقد بتنا ندرك اليوم أن نظرة شينوا أشيبي إلى نتاج جوزيف كونراد، مثلاً، لا تخلو من الريبة، وإن كان هذا النتاج الأدبي يُعتبر فضلاً عن ذلك رائعاً وعظيماً. لنقل إن مطالعتي لبعض الكتابات غالباً ما أبقتني على جوعي.
فمغامرات السيد هنري دو مونفريد البحرية، من بين أسماء أخرى، لا تنسجم حتى مع أبسط الألعاب الصبيانية، أو ما يُدعى بـ "شيكا كاروريد" باللغة الصومالية. لا أزعم أنني قادر تماماً على إرضاء جميع قرائي اليوم أو غداً. وما يهمّني هو أن آتي، ببساطة وتواضع، بإسهامي الشخصي، وأن أتقاسمه مع الجميع، سواء من مواطني بلادي أو أصدقائي أو الضيوف العابرين أو الغرباء. فبالنسبة إلي، لا تقتصر المطالعة والكتابة على نشاط مسلٍّ فحسب وإنما تعنيان – معذرةً لأنني سأستخدم هنا عبارة مفخمة – المشاركة في بناء الأمة. كما أن المطالعة والكتابة تعكسان طريقة عيش معينة، وتحوِّلان اهتمامنا عن تفاصيل الحياة اليومية لتأخذا بنا إلى عوالم أخرى، بين هنا وهناك، بين مكانين أكثر فأكثر تباعداً يتألقان بآلاف الأنوار المتناقضة. واصلت سيري في هذا العالم وأنا أتكئ دوماً على الكتابة، وأتمايل عبر زخارف الشعر الملقى أو المترجم أو المكتوب باللغة الفرنسية في معظم الأحيان. كنت ألتجئ إلى رماد لغة بول سيلان: "لا تبحثي عن ثغرك على شفتيّ/ ولا عن الغريب أمام البوابة/ ولا عن الدمعة في العين..." (كريستال، دار غاليمار، 1998). كلمات كانت تحاكيني وتهزني وتواسيني عندما كنت طالباً أجنبياً في فرنسا أواخر الثمانينات، وما زلت...
تضمّنت البرامج المدرسية في بلادي القصص التي كتبتها وكنت لم أتجاوز الثلاثين عاماً بعد. وبدءاً من منتصف حزيران/يونيو من كل عام، يرهق التلامذة أنفسهم في إعداد تلك النصوص (بينما رواياتي ما زالت تخضع لرقابة فعالة جداً!) استعداداً لامتحانات البكالوريا الفرنسية... بعد 28 عاما من نيل الاستقلال، وهي شهادات ما زالت تصدَّق من جانب أكاديميات "بوردو" و"روان" و"بوزانسون" الفرنسية. هذا ما يفسّر إحساسي اليوم بنشوة كبيرة.
ماذا عن قراءاتي؟ أنا، المتحدِّر من عائلة فقيرة لم تملك من الكتب إلا نسخة قديمة من القرآن الكريم نادراً ما كنا نتصفحها، لم أقرأ ما يُذكر في بيتنا. عشت طفولة مفصومة بين عالمين مختلفين تماماً، فكنت مقطَّعاً بين العائلة والمدرسة. بدأت القراءة (بالفرنسية، بطبيعة الحال) في المدرسة الابتدائية أولاً، بفضل معلّمة حساسة أطلعتنا على رواية المغامرات. فكانت مروجنا الخضراء الأولى قراءات للكاتب أوجان سو و"أسرار باريس"، والأديب الكبير ألكسندر دوما (الفرسان الثلاثة) والشاعر فيكتور هوغو (البؤساء). وقرأت لاحقاً من هنا وهناك، الخليط الذي أعدّته لي الحياة، أي كل ما كان يقع بين يديّ ويصل إلى مدينة الأكواخ التي كنت أقيم فيها: نسخة من مجلة "باري ماتش" ترقى إلى شهر مضى، ونسخة من مجلة "أنا وأنتِ" وقد بللتها دموع الصديقات، ونسخة قديمة من مجموعة "بليك" للرسوم المتحركة، ونسخة من مجلة "ريدرز دايجست" أو أحد كتب "سان أنطونيو" وجيرار دو فيلييه إذا حالفني الحظ. وفي سن المراهقة، كنت أجتاز سيراً على قدميّ مسافة كيلومترين أو ثلاثة لبلوغ المكتبة الوحيدة في البلاد، المركز الثقافي الفرنسي "أرتور رامبو" الذي كان يقع في وسط المدينة.
بعد قراءتي لمجموعات كاملة من قصص الرسوم المتحركة، بدأت بمطالعة الكتب "الجدية" التي شملت مؤلفات لألبير كامو وكريستيان روشفور. وفي المدرسة، وقعت على اكتشافات أخرى في "نادي المطالعة" الذي كان يديره أستاذ اللغة الفرنسية وترتاده البنات بشكل أساسي. أما أصدقائي الذين كانوا يستعدّون لاختصاصات أكثر رصانة (الرياضيات، الفيزياء)، فكانوا يزدرون صراحةً قراءاتي وصداقاتي الأنثوية. ولم أكتشف فعلاً الأدباء باللغتين الفرنسية والإنكليزية، من إفريقيا والكاريبي والهند وفرنسا والعالم أجمع، إلا في فرنسا (من نور الدين فرح إلى ديريك والكوت، وماريو فارغاس يوسا وج.م. كوتزي، ووالتر بنجامين وجوزيف روث، وميشال لو بري وجاك لاكاريير، وبيار برغونيو وطاهر بكري). باختصار، تشكل هذه المطالعات زاداً يومياً لي، تسحرني وتخفف عني عبء الحياة. ولم أكن أظن لحظة واحدة أن بعضاً من هؤلاء الأدباء الذين أكنّ لهم إعجاباً كبيراً سوف يصبحون يوماً من معارفي وزملائي، وحتى أصدقائي، مثل نور الدين فرح. لقد تجاوزت بخطى نشيطة الحاجز الفاصل بين المطالعة والكتابة. المطالعة والكتابة، منارتا حياتي...
عبد الرحمن وابري، أديب من جيبوتي.