ISSN 1993-8616

الفوز مهما كان الثمن؟


المنشطات في سباق الدراجات






© روايلتي فري
وجدت كمية عالية لمادة تيستوستيرون في دم الدراج فلويد لانديس بعد فوزه ببطولة سباق فرنسا 2006

رسخت فضيحة المنشطات المحظورة في ذهن الرأي العام مع الإعلان بأن الاختبارات الطبية التي خضع لها بطل سباق فرنسا لعام 2006 فلويد لانديس أظهرت مستويات عالية من هرمون التستوستيرون. ويتساءل هواة هذا السباق عبر مختلف أنحاء العالم: هل كان سباق هذا العام مجرد عملية احتيال لا أكثر؟








لا يمكن النظر إلى نتائج الاختبار الذي كشف مستويات عالية من هرمون التستوستيرون لدى بطل سباق فرنسا فلويد لانديس بوصفها مسألة دعائية. وسيمثل لانديس أمام محكمة ستطلب منه شرح وجود التستوستيرون الكيميائي في جسمه. ومن المتوقع أن يُمنع عن المشاركة في جميع أنواع المباريات الرياضية لمدة عامين. مع ذلك، ردّ لانديس عقب إعلان النتائج الإيجابية للاختبارات بنبرة لا تخلو من التحدي، مصرِّحاً: "لقد كنت الرجل الأقوى في سباق فرنسا ولهذا السبب كرِّست بطلاً." بل ذهب أبعد من ذلك قاطعاً عهداً على نفسه بقوله: "سأحارب هذه التهم بالتصميم والحدة ذاتهما اللذين أعتمدهما في التدريب والسباق. وقد بات هدفي الآن إعادة الاعتبار لاسمي وإصلاح ما عملت بمشقة على تحقيقه."

لقد صاحبت سباق الدراجات مزاعم بشأن رواج المنشطات على نطاق واسع في هذه الرياضة وفضائح وحالات وفاة تعاقبت منذ أعوام عدة، لكن هذه الادعاءات لم تحتل أولى صفحات الصحف إلا على مدى العقد الفائت. ففي عام 1998، ضبطت السلطات مدلّك فريق فستينا Festina عند الحدود الفرنسية – البلجيكية وفي حوزته أكثر من 400 منشط للمشاركين في سباق فرنسا في صفوف فريقه. وكشفت التحقيقات أن فريق "فستينا" لم يكن ضالعاً فقط في تناول مجموعة من المنشطات بصورة تلقائية لتحسين أدائه، بل أن عدداً من الفرق الأخرى متورطة أيضاً في هذه الممارسة الخطيرة. وقد منِعت 7 فرق متبارية من أصل 21 من المشاركة في السباق، فيما أبعِد ما لا يقل عن 89 متسابقاً من أصل 189.

كان من المنتظر أن يسجل سباق فرنسا لعام 2006 انطلاقة جديدة. لكن قبل أسابيع قليلة من بدايته، كشفت عملية تحقيق واسعة النطاق بشأن المنشطات في أسبانيا تدعى Operacion Puerto تورط 58 متسابقاً، من بينهم يان أولريخ وإيفان باسو وفرانشيسكو مانشيبو الذين كانوا يتمتعون بالحظوظ الأوفر بالفوز. وقد أبعِدوا عن السباق قبل بدايته إلى جانب ستة متسابقين كانوا موضع الاتهام أيضاً، فتخيّل البعض أن الحدث استعاد مصداقية جديدة. لكن هذه الجهود أحبطت تماماً على ضوء نتائج اختبارات لانديس.




© د.رينهارت/روايليتي فري
لآنديس فس سباق فرنسا

أصعب من أن يصدق
أصيب الجمهور بالارتباك والذهول للنبأ إذ أن فوز لانديس بالمرحلة 17 من السباق كان قد شكل ذروة الانبهار بحدث هذا العام. وبعد أداء هزيل في المرحلة السابقة عاد به إلى المرتبة الحادية عشرة، حقق لانديس وثبة هائلة خلال المرحلة 17 متقدماً على سائر المتسابقين الذين كانوا في الطليعة. أداء استثنائي وأقرب إلى الإنجازات البطولية التي لم يشهد لها مثيل خلال الأعوام القليلة الماضية. وكون هذا الإنجاز نتيجة مباشرة لتناول المنشطات المحظورة لأمر مؤسف بالفعل. فقد انتاب هواة هذا النوع من السباق شعور بالحزن بعدما تبيَّن أن بطلاً آخر، على غرار الفائز بالميدالية الذهبية الأولمبية تايلر هاميلتون، خدعهم وخدع عالم الرياضة بتناول المنشطات.

لكن المرء قد يشعر بشيء من التعاطف مع لانديس الذي أبعِد عن فريقه الأسبق (تحت رعاية فوناك) وهو يواجه اليوم عملية لاستبدال عظم الورك. كما أن السباق مثَّل ذروة في مسيرته وفرصة للابتعاد عن ظل لانس أرمسترونغ الذي كان ينتمي إلى الفريق نفسه والخروج أخيراً إلى الأضواء. لكنه يواجه العار بوصفه أول فائز بالسباق يُنزع عنه اللقب بسبب المنشطات ويواجه دعاوى قضائية معقدة. وفي موازاة ذلك، ألقي الضوء على الثقافة المنتشرة في عالم سباق الدراجات والضغوطات القائمة على هذه الرياضة.

فهذا العالم يواجه اليوم انتقادات جديدة مرتبطة بظاهرة المنشطات التي باتت ملازمة له. لكن على الرغم من تعرضه بشكل مكشوف، وأكثر من أي رياضة أخرى، لهذه الآفة وما يرافقها من تغطية إعلامية، فإن بات ماكويد، رئيس الاتحاد الدولي لسباق الدراجات، يؤكد بأن الاتحاد يعمل جاهداً لوضع حد لعمليات الغش هذه، بقوله: "لقد بات سباق الدراجات في صدارة المعركة المعلنة لمكافحة المنشطات" مضيفاً أن التحدي الأكبر يكمن في "القضاء على ظاهرة أضحت معممة". فمن الأسهل إلقاء اللوم على الرياضيين لإقدامهم على الغش دون التعرض للنظام الذي أنتجهم. والتغيير مطلوب على جميع المستويات في هذه الرياضة بالذات. فعلى الإداريين والمدربين وأطباء الفرق التصدي لهذه المشكلة بقوة والقيام بكل ما يلزم للتخلص من هذا السرطان إذا كانت الغاية هي تمكين الرياضة من الصمود.



© د.غريشون/روايلتي فري
يان أولريك وإيفان باسو في سباق فرنسا عام 2004

لماذا تبقى المنشطات مشكلة؟


لا جدل في أن المنشطات أصبحت واقعاً ثابتاً في عالم الرياضة. وقد بلغت حداً بات الهواة يتساءلون ما إذا كان بوسعهم الإيمان بعد بالمثل التي تجسدها الرياضة التي يحبون

رداً على سؤال عما يدفع بالرياضيين إلى تناول المنشطات، ألقى ماكويد باللائمة على المجتمع وأجاب مازحاً: "نفرط بالتفاؤل لو اعتقدنا أن للرياضيين مُثلاً مختلفة عن سائر أفراد المجتمع". فنحن نعيش في مجتمع تتوق فيه الغالبية إلى الشهرة ة وتحقيق الثروة، مجتمع تتوفر فيه الحلول الطبية بسهولة. ومن المؤسف أن تكون القيم والأخلاقيات الأساسية كالنزاهة قد أصبحت نادرة.

أنواع الرياضة الأخرى ليست بمنأى عن ظاهرة المنشطات. هذا ما تكشَّف مع قضية جاستين غاتلين، حامل لقب بطولة كأس العالم في سباق المائة متر، الذي أظهرت نتائج الاختبارات الطبية مستويات عالية من هرمون التستوستيرون لديه، تماماً كلانديس. كما أن ألعاب كرة القدم والبايسبول وكرة المضرب والترياتلون سبق أن واجهت انتشار هذه الظاهرة.

لا جدل في أن المنشطات أصبحت واقعاً ثابتاً في عالم الرياضة. وقد بلغت حداً بات الهواة يتساءلون ما إذا كان بوسعهم الإيمان بعد بالمثل التي تجسدها الرياضة التي يحبون، وما إذا كانت الرياضة تحمل الوهج نفسه وتشكل مصدر وحي للجميع.


ماثيو كويغلي- ساكرامانت، كاليفورنيا (الولايات المتحدة الأميركية