الفوز مهما كان الثمن؟
معجزة العدو من موزمبيق

|
 © مؤسسة ماريا موتولا
|
تحطمت الأحلام التي طالما واكبت ماريا موتولا في طفولتها بأن تصبح نجمة لكرة القدم لمجرد كونها أنثى. لكن هذه المرأة ليست من النوع الذي يستسلم بسهولة. فما كان بها إلا أن تحولت إلى رياضة أخرى وأصبحت الفائزة بالميدالية الذهبية في الألعاب الأولمبية.
“"كوني اللاعبة الأنثى الوحيدة جلب لي كثيراً من المشاكل، لكنني حاولت دوماً التركيز على اللعب جيداً"
كانت ماريا موتولا في صغرها تهوى اللعب بكرة القدم أكثر من الدراسة. وكانت لا تتردد في التغيب عن المدرسة لتمارس هواية قذف الكرة مع الصبيان في الحي الفقير الذي كانت تقطنه في ضواحي مابوتو (موزمبيق).
تميزت ماريا بموهبة لافتة في توجيه الكرة نحو الهدف بتربيتات قصيرة سريعة والركض سريعاً وتسجيل الأهداف. وكانت تحلم رغم معارضة والديها بأن تصبح لاعبة محترفة في كرة القدم. تتذكّر بقولها:" كان مدرب نادي Aguia d’Ouroلكرة القدم ماراً في الحي عندما كنت في سن الـ14 أو الـ15، ودعاني للانضمام إلى فريقه بعدما رآني وأنا ألعب".
أحرزت مشاركة ماريا في مباريات بطولة المدينة لكرة القدم نجاحاً باهراً، لكنها كانت موضوع احتجاج واسع من جانب الفرق الأخرى. وتوضح قائلة: "كوني اللاعبة الأنثى الوحيدة جلب لي كثيراً من المشاكل، لكنني حاولت دوماً التركيز على اللعب جيداً".
لقد فاز فريق Aguia d’Ouro بمباريات بطولة المدينة لكرة القدم عام 1987، إلا أن الفريق الخاسر في المباراة النهائية أطلق دعوى قضائية أمام الـFIFA ضد استخدام لاعبة أنثى في المباريات الرسمية.
سمح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" لفريق موتولا بالاحتفاظ بكأس البطولة. غير أن فتاة الـ 15 ربيعاً شعرت بالإحباط إذ أدركت أنه لن تتاح لها الفرصة بعد الآن لمواصلة مسيرة لاعبة محترفة في كرة القدم.
لكنها ما كانت تعلم أن ما حدث لم يكن فصل النهاية وإنما بداية رحلة استثنائية في عالم الرياضة.

|
 © مؤسسة ماريا موتولا
|
من كرة القدم غلى ألعاب القوى
"لدينا الكثير من الرياضيين الكبار. لكن ثقافتنا لا توفر أي دعم للألعاب الرياضية. لقد اضطررت لإرسالها إلى أمريكا لأنه المكان الذي كان سيوفر لها أفضل فرص التقدم." - جوزي كارفيرينا
احتل مصاب ماريا عناوين الصحف واستأثر باهتمام جوزي كرافيرينا، أكثر الشعراء شهرة في موزمبيق والمعروف بشغفه بالألعاب الأولمبية. بعدما رآها وهي تزاول لعبة كرة القدم، أدرك أن لديها طاقة بأن تصبح عدَّاءة كبرى. فأعطاها حذاء رياضياً وعرَّفها إلى ابنه ستيليو، مدرب مباريات السباق.
تستذكر ماريا هذه الحقبة بقولها:"لم يكن أول تدريب لي مع ستيليو جيداً لأنني لم أكن معتادة على الركض كثيراً بعد، ولم أستطع حتى الجلوس بعدما انتهيت. كما أنني لم أحضر لمواصلة التدريب طوال أسبوع !"
لكن كرافيرينا لم يفقد الآمال المعقودة عليها. إذ تقول ماريا: "لقد أتى الشاعر الكبير إلى المنزل وأقنع أهلي بأن ألعاب القوى يمكن أن تفتح لي أبواباُ كثيرة".
لقد كان كرافيرينا مصيباً بالفعل. فبعد أشهر قليلة من بداية تدريبها، فازت ماريا موتولا بميدالية فضية في سباق الـ800 متر في مباريات البطولة الأفريقية عام 1988. ومثلت موزمبيق في العام نفسه في الألعاب الأولمبية في سيول.
عام 1990، فازت بمنحة اللجنة الدولية الأولمبية لمواصلة دراستها وتدريبها في الولايات المتحدة. وصرّح كرافيرينا آنذاك:"إنه لأمر مؤسف بالفعل. لدينا الكثير من الرياضيين الكبار. لكن ثقافتنا لا توفر أي دعم للألعاب الرياضية. لقد اضطررت لإرسالها إلى أمريكا لأنه المكان الذي كان سيوفر لها أفضل فرص التقدم".
أصبحت ماريا موتولا عبر التسعينات إحدى العداءات الأكثر شهرة في العالم، وقد برزت في مباريات بطولة الـ 800 م و1000 م و1500 م.
جاء التتويج في الألعاب الأولمبية في سيدني عام 2000 عندما أتت لموزمبيق بأول ميدالية ذهبية في تاريخه في سباق الـ 800 م.
وفازت عام 2003 بأكبر جائزة عالمية للألعاب الرياضية، وهي كناية عن مليون دولار لنجاحها ست مرات متتالية في مباريات الرابطة الذهبية.
في العام نفسه، عُينت ماريا سفيرة فخرية في الأمم المتحدة اعترافاً بمسيرتها الاستثنائية في مجال الألعاب الرياضية.

|
 © Maria Mutola Foundation
|
مؤسسة ماريا موتولا
لم تكن الألعاب الأولمبية الحديثة التي افتتحت عام 1896 متاحة لمشاركة النساء فيها.
بعدما كرست حوالي 20 عاماً للألعاب الرياضية، تقول ماريا إن ما زال لديها الكثير لتقديمه إلى الرياضة. لهذا السبب أنشأت مؤسسة ماريا موتولا التي تموّل التعليم والتدريب الرياضي للأطفال المحرومين.
أتاحت المؤسسة منذ عام 2001 مشاركة أكثر من 30 رياضياً شاباً من موزمبيق في مباريات دولية. كما أنها تعمل على دمج الرياضة وأنشطة اجتماعية-ثقافية أخرى في المناهج الدراسية، وهي تخطط اليوم لبناء مركز تدريب للمحترفين في مابوتو.
تقول ماريا موتولا بهذا الصدد: "يجب أن تتاح لجميع أطفال موزمبيق الفرصة بأن يكون لهم شخص مثل كرافيرينا في حياتهم، شخص يؤمن بموهبتهم ويكون مستعداً لتوفير الدعم لهم. وقد أنشئت مؤسستي لهذا الغرض".
قبل ثلاثة أعوام، أرسلت مؤسسة موتولا كارينا بينتو إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة الدراسة والتدريب. وتتباهى ماريا بالقول "إنها ملتحقة اليوم بجامعة نيويورك وستتخرج بعد عامين من الآن. لا شك أن اليوم الذي ستتلقى فيه شهادتها سيشكل نصراً عظيماً لي".
باتت ماريا موتولا، البالغة من العمر 34 عاماً، بمثابة بطلة وطنية وقد أطلق اسمها على أحد شوارع مابوتو أخيراً. عندما نسألها عن الإرث الذي تتركه، تقول بتواضع "أشعر بالفخر لأن برنامجي بات يساعد العديد من الرياضيين الشباب. كل ما أريده هو أن يفهم الصغار، كما فعلت في سن الخامسة والعشرين، بأن العلم والرياضة قد يشكلان معاً مفتاح النجاح".
ماريا بوافيدا - باريس (فرنسا)