تشرين الأول/أكتوبر 2006
اللغات المحلية في التعليم قبل المدرسي، وصفة النجاح

|
 © اليونسكو/روكي راو
|
يتمتع أطفال بابوا نيو غينيا الجديدة بإمكانية خوض تجربتهم التعليمية الأولى بلغتهم الأم في بلد يحصي أكثر من 800 لغة مختلفة
باربارة مي تمارس مهنة التعليم في قرية هانوابادا الواقعة في بور مورسبي، عاصمة بابوا غينيا الجديدة. ينتمي سكان المدينة، الذين يقيمون على مقربة من المركز الحديث للعاصمة إلى جماعة موتوان التي تتميز بمنازلها المبنية على ركائز متينة فوق سطح المياه. تتوجه باربارة كل يوم إلى مدرسة هاغارة الابتدائية حيث يكون بانتظارها، في صف التعليم قبل المدرسي، 35 طفلاً يخاطبونها بلغة الموتو. إنها لغتهم الأم، لغة واحدة بين 800 لغة أخرى في هذه الجزيرة الصغيرة التي تتفرّد بمجموعة مذهلة من اللغات المحلية. وعلى الرغم من السيطرة التقليدية للغة الإنكليزية على النظام التعليمي في بابوا غينيا الجديدة، إلا أن باربارة تقدم جميع حصصها – بما فيها تعليم اللغة والحساب والألوان والأشكال والثقافة والعيش ضمن المجتمع، بالموتو.
وهي تقول: "في الحصة اللغوية، نعلّم الأطفال القراءة والكتابة بلغة الموتو. نحن نتمتع، منذ مجيء أول دفعة من الإرساليات الدينية، بترجمات للكتاب المقدس وتراتيل الحركة الإصلاحية، وباتت لدينا الآن كتب أخرى بالموتو". وفي حرصها على تعريف الأطفال بثقافتهم، تستخدم باربارة التقويم السنوي بالموتو، وهو أمر غير اعتيادي إذ يحصي هذا التقويم 13 شهراً، مقابل 12 شهراً في التقويم الغربي. وتضيف قائلةً: "يكتشف الأطفال أن الشهر، في ثقافة موتو، يحدد الأنشطة الاجتماعية للناس. فعلى سبيل المثال، يبدأ غرس الحدائق المنزلية في مطلع العام. وفي أيلول/سبتمبر على وجه التقريب، تتعاقب معظم الأنشطة الثقافية، فنعلّم الأطفال أموراً شتى عن أنواع الرقص التي يتم تأديتها في الاحتفالات".
لقد صُمم هذا البرنامج قبل المدرسي بناء على طلب وزارة التربية لتزويد الأطفال بتعليم أساسي بلغتهم الأم لمدة عامين قبل التحاقهم بالمدرسة الابتدائية، وهو منتشر في جميع أنحاء البلاد. فريد نغانسيا معلّم في قرية أومبوكول الريفية في جزيرة هانوفر الجديدة، بمقاطعة إيرلندة الجديدة. وهو يقسّم وقته بين تعليم تلاميذه بلغة تونغاغ، اللغة المحلية المتداولة لدى حوالي 000 20 شخص، وتعريفهم بأسلوب العيش المستمدّ من القِدم، بما يشمل حماية الأرصفة التي تمنح المجموعات السكانية الأسماك والموارد البحرية الأخرى.

|
 © اليونسكو/ روكي روي
|
وصفة النجاح
إنها صيغة رابحة. إذ يبدأ الأطفال مرحلة تعلم القراءة والكتابة بلغتهم الأم، ويستكشفون التقاليد القديمة ويطورون إحساسهم بالانتماء وبالهوية. وقد لاحظ الخبراء أنهم يحرزون في الوقت ذاته التقدم التنموي والإدراكي والعلمي الضروري للنجاح في المدرسة. وتوضح باربارة مي قائلة: "عندما يصل الأطفال إلى المدرسة للمرة الأولى، غالباً ما يشعرون بالتيه. فهم يختارون اللغة المحكية في عائلاتهم، لكن الإطار الرسمي والبنية التعليمية يأتيان بعنصر جديد وغير مألوف بالنسبة إليهم. وعندما يبلغون المرحلة الابتدائية مع البدء بتعلّم اللغة الإنكليزية، يشعرون بسهولة استخدام المهارات الأساسية التي امتلكوها في التعليم قبل المدرسي لاستيعاب الإنكليزية بسرعة أكبر".
وتتأكد وجهة نظرها لدى رؤية أطفال من أمثال مايكل البالغ من العمر ثمانية أعوام، والذي ينتمي والداه إلى جماعتين ثقافيتين مختلفتين، على غرار آلاف الأطفال الآخرين. والدته، ستيفاني مالون، تتكلم الموتو. أما والده، فيجيد لغة بيدجين. وتشهد الوالدة على أن مايكل تعلم اللغتين وبدأ يلمّ بالإنكليزية. هو يحسن تكلم اللغات الثلاث جيداً.
وهذا تحديداً ما كان يصبو الأهل إليه. فالإنكليزية تشكل إحدى اللغات الرسمية الثلاث في بابوا غينيا الجديدة – إلى جانب لغتي موتو وبيدحين، وتمثل اللغة الأولى بالنسبة إلى 000 50 شخص فقط. وفي ظل تداول حوالي 823 لغة من جانب 5،5 ملايين نسمة وانتشار التعددية اللغوية على نطاق واسع، تمثل بابوا غينيا الجديدة البلد الذي يتمتع بأكبر تنوع لغوي في العالم. وهي تسعى للحفاظ على هذه الميزة. إنه مثال على أحد البلدان النامية المصممة على صون فرادتها الثقافية واللغوية. ولعل شمل اللغات المحلية في النظام التربوي الرسمي يوفر الاستراتيجية اللازمة لذلك.

|
 © اليونسكو/روكي روي
|
تطوير التعليم الوطني القائم على التعدد اللغوي
بيد أن السياسات التربوية للازدواج اللغوي في بابوا غينيا الجديدة حديثة نسبياً. فبدءاً من عام 1870، استخدمت أولى الإرساليات التعليمية اللغات المحلية في هذا البلد. لكن سياسة مغايرة اعتمِدت في الخمسينات، وكانت تقضي باستخدام الإنكليزية دون غيرها في المناهج الدراسية. وخضعت السياسة للمراجعة عام 1975 إبان الاستقلال، لكنها ظلت قائمة بموجب قانون التربية لعام 1976.
عام 1979، لم يكن للحكومة دور في إطلاق التعليم قبل المدرسي باللغات المحلية، وإنما ذلك قد تم بفضل مجموعة من الأهالي في جزيرة بوغانفيل شمالي مقاطعة سولومون، مخافة أن يخسر أطفالهم لغتهم وثقافتهم. فأنشئت مدرسة القرية اللغوية التي أصبحت تعرف لاحقاً بمركز التعليم قبل المدرسي باللغة المحلية. وقد انتشرت بسرعة إلى سائر أنحاء البلاد من خلال دعم الصناديق المحلية ومساعدة المنظمات غير الحكومية. أخيراً، جرى دمج البرنامج ضمن الخطة الحكومية للإصلاح التربوي عام 1995 وبات يُعتبر اليوم من مسؤوليات النظام التعليمي الوطني الرسمي.
البرنامج قائم منذ أكثر من 15 عاماً بشكل غير رسمي، وما زال قابلاً للتطوير. لقد امتلك فريد، مثلاً، قدرة التعليم، ببساطة، بمراقبة المعلمين الأكثر خبرة. وهو يقول: "ما يهمني فعلاً هو أنني نشأت في القرية وذهبت إلى المدرسة هنا قبل الالتحاق بالمدرسة الثانوية. لذا، أنا لست بغريب أبداً عن أسلوب عيشنا ولغتنا المتوارثة".
أوسيا فيلمون-بورت موريسبي